فهرس الكتاب
** ثُمّ إِنّ رَبّكَ لِلّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنّ رَبّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رّحِيمٌ * يَوْمَ تَاتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نّفْسِهَا وَتُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
هؤلاء صنف آخر كانو مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة, ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه, وانتظموا في سلك المؤمنين, وجاهدوا معهم الكافرين, وصبروا, فأخبر تعالى أنه من بعدها, أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم {يوم تأتي كل نفس تجادل} أي تحاج {عن نفسها} ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة {وتوفى كل نفس ما عملت} أي من خير وشر {وهم لا يظلمون} أي لا ينقص من ثواب الخير, ولا يزاد على ثواب الشر, ولا يظلمون نقيرًا.)
ويقول القرطبي رحمه الله:
الآية: 110 {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم}
قوله تعالى:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا"هذا كله في عمار. والمعنى وصبروا على الجهاد؛ ذكره النحاس. وقال قتادة: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون وعذبوهم، وقد تقدم ذكرهم في هذه السورة. وقيل: نزلت في ابن أبي سرح، وكان قد ارتد ولحق بالمشركين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة، فاستجار بعثمان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره النسائي عن عكرمة عن ابن عباس قال: في سورة النحل"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره - إلى قوله - ولهم عذاب عظيم"فنسخ، واستثنى من ذلك فقال:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم"وهو عبدالله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به أن يقتل يوم الفتح؛ فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم."إن ربك من بعدها لغفور رحيم"أي إن الله غفور رحيم في ذلك. أو ذكرهم:
ويقول السيد رحمه الله:
ذلك أن العقيدة أمر عظيم , لا هوادة فيها ولا ترخص , وثمن الاحتفاظ بها فادح , ولكنها ترجحه في نفس المؤمن , وعند الله. وهي أمانة لا يؤتمن عليها إلا من يفديها بحياته وهانت الحياة وهان كل ما فيها من نعيم.