فهرس الكتاب
(ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا , ثم جاهدوا وصبروا , إن ربك من بعدها لغفور رحيم. يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها. وتوفى كل نفس ما عملت , وهم لا يظلمون) .
وقد كانوا من ضعاف العرب , الذين فتنهم المشركون الطغاة عن دينهم بالعذاب وغيره. ولكنهم هاجروا بعد ذلك عندما أمكنتهم الفرصة , وحسن إسلامهم , وجاهدوا في سبيل الله , صابرين على تكاليف الدعوة. فالله يبشرهم بأنه سيغفر لهم ويرحمهم (إن ربك من بعدها لغفور رحيم) . ذلك يوم تشغل كل نفس بأمرها , لا تتلفت إلى سواها ; (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) وهو تعبير يلقي ظل الهول الذي يشغل كل امريء بنفسه , يجادل عنها لعلها تنجو من العذاب. ولا غناء في انشغال ولا جدال. إنما هو الجزاء. كل نفس وما كسبت. (وهم لا يظلمون) . .
-حق الجهاد قال تعالى:
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (78) سورة الحج
يقول ابن كثير رحمه الله:
** يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هََذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىَ وَنِعْمَ النّصِيرُ
اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها, أم لا؟ على قولين, وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم «فضلت سورة الحج بسجدتين, فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما» . وقوله: {وجاهدوا في الله حق جهاده} أي بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم, كما قال تعالى: {اتقوا الله حق تقاته} . وقوله: {هو اجتباكم} أي يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم, وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا, فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب