فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 61

مصالح دنياهم للضياع، قال تعالى محذِّرًا من وساوس الشيطان في هذا الباب: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، وقال تعالى وهو يحكي مقولة من يخافون ذهاب الجاه والمال إن هم اتبعوا دين الإسلام: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) ، ولما أمر الله نبيَّه محمد صلى الله عليه وسلم أن يمنع المشركين من دخول مكة ظنَّ ناسٌ أنَّ عملًا مثل هذا سيعرِّض الأرزاق للضيق، فقال جلَّ وعلا: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .

فقد أنجز الله وعده للمسلمين وأغناهم من فضله وبسط لهم من الأرزاق ما كانوا به من أكبر الأغنياء والملوك، فالرزق ليس مقصورًا على باب التجارة ومحلٍ وحيد، فإنه ما ينغلق بابٌ على العبد إلا وتُفتح له أبوابٌ كثيرة؛ لأن فضل الله واسع وَجُودُه كريم خاصةً لمن فعل شيئًا لوجهه الكريم، والدنيا بيده وحده سبحانه وما على المسلم إلا أن يحقِّق غاية وجوده في الحياة وهي عبادة الله تعالى، التي من مقتضياتها أن يقوم المسلمون بالخلافة في الأرض، وينهضوا كل النهوض بتكاليفها، ويحققوا أقصى ثمراتها بالتعمير بالخير وصلاح الحال، فلا يغرَّنَّكم الشيطان فتنعزلوا عن شريعة الرحمن في تدبير شؤون حياتكم وتختاروا لأنفسكم أنظمةً من صنع هواكم.

أيها المسلمون، أيها المجاهدون، فلو استقر الدين في نفوسكم -معشر المسلمين- لصمدتم كالجبال للأحداث والأشياء والأشخاص وقوى البشر، ولأحسستم برحمة الله تعالى تغمركم وتفيض على قلوبكم، نعم تحسُّون بها وترجونها وتطَّلع نفوسكم إليها وتثقون من وجودها، فلقد وجدها إبراهيم عليه السلام وهو في أتون النار، ووجدها يوسف عليه السلام وهو في الجبِّ والسجن، ووجدها يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت في ظلماتٍ ثلاث، ووجدها موسى عليه السلام وهو طفلٌ يُلقَى في البحر، ووجدها أصحاب الكهف حين فقدوها في الدور والقصور، فقال بعضهم لبعض: (فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) ، ووجدها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو في الغار مع صاحبه والقوم يتعقَّبونهما ويقصّون آثارهما، ووجدها كل من آوى إلى الله سبحانه وقصد بابه وحده دون الأبواب الأخرى، ووجدها المجاهدون اليوم على ساحات الجهاد في ساعة الكرب والضيق مع قلة الإخوان والأنصار، ومن ثَمَّ فلا مخافة من أحد ولا رجاء في أحد ولا خوف من فوت ولا رجاء في وسيلة، قال ربنا جلَّ في علاه: (مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) .

قال تعالى مرشدًا للمؤمنين إلى الجهة التي يطلبون منها المنعة والعزة: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت