عندما تلقَّى الصحابة تلك السنن عن نبيهم صلى الله عليه وسلم طبقوها على أنفسهم، ثم نقلوها إلى من أدركهم واتصل بهم من تلاميذهم، وهكذا من بعدهم، وقد استمر هذا النقل من راوٍ إلى آخر بعده، حتى وصلت إلى العلماء الذين دونوها في مؤلفاتهم كما هي، وقد وصلت إلينا تلك المؤلفات محفوظة كاملة، برواتها ومتونها، بألفاظها ومعانيها، بدون نقص أو تغيير. ثم إن المحدِّثين والأصوليين بعد أن تتبعوا تلك الأخبار ألفوا منها البعض نقله العدد الكثير، ممن تحيل العادة اتفاقهم على الكذب، عن مثلهم إلى آخر السند والبعض الآخر ليس كذلك، فاصطلحوا على تسمية الأول بالمتواتر، والثاني بالآحاد.
ومن المتحقق أن هذا التقسيم لم يكن معروفًا بين الصحابة والتابعين الذين إنما يعتبرون صحة المنقول وبطلانه غالبًا باعتبار حال الناقل له من ثقته وأمانته أو ضد ذلك، فاتضح أن هذا التقسيم اصطلاح حادث بين المحدِّثين وأهل الأصول كسائر علوم الحديث، وقد زاد الحنفية قسمًا ثالثًا سموه بالمشهور، وعرفوه بأنه ما كان أصل رواته آحادًا ثم تواتر بعد القرن الأول، كحديث عمر:) إنما الأعمال بالنيات) فإنه لم يروه في القرن الأول إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمه بن وقاص الليثي، عن عمر، ثم تواتر في القرن الثاني، حيث رواه عن يحيى العدد الكثير. والجمهور على عده قسمًا من أقسام الآحاد كما سيأتي.
تعريف المتواتر وشروطه