الصفحة 23 من 102

ثم إنه لا يلزم من ذلك تصديق النصارى في أن اليهود قتلوا المسيح وصلبوه، لأن مرجع النصارى إلى خبر اليهود الذين دخلوا عليه البيت، وهم عدد قليل لا يبعد تواطؤهم على الكذب، ولأنهم لم يكونوا على علم بمن قتلوه، ولذلك كذبهم الله بقوله تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) (النساء:157) . ولأن المسيح عليه السلام يجري على يديه من الآيات وخوارق العادات التي هي من معجزاته ما لا يُستبعد معه قلب الحقائق في ما يبدو للناظر، وإن كان محسوسًا.

ثم مما يلزم أيضًا في رواة المتواتر أن يخبروا طائعين عن جد وقصد، فلا يوثق بخبر عدد كثير أخبروا على طريق المزح أو الإكراه ونحوه.

تحديد العدد في الرواة للمتواتر:

تقدم أن من شروط المتواتر أن ينقله عدد كثير، وقد اضطربت الأقوال في تقدير العدد الذي يحصل معه العلم اليقيني بالخبر، والأرجح عدم اعتبار عدد معين، لما يشاهد من اختلاف الأحوال والأشخاص الذي يؤثر في حصول العلم أو عدمه، فإن الرواة قد يكونون من أجلاء الأئمة الثقات، وعدول نقلة الأخبار المشهورين، فيحصل اليقين بما أخبروا به وإن قل عددهم، وقد تحتف بخبرهم قرائن ظاهرة فتزداد الثقة بصدقهم أو ضد ذلك، وأنت خبير بتفاوت الناس في الفهم والإدراك، فكم من عدد قليل يحصل العلم بخبرهم، لما اقترن به من عدالتهم ودينهم، واطمئنان النفس إلى ما نقلوه، ولما اشتهر من علمهم وتثبتهم، مع أن مثلهم أو أكثر منهم لا يحصل العلم بخبرهم، لفقد تلك الصفات التي اقترنت بخبر الأولين، وهكذا يتفاوت السامعون في الفهم والإدراك، ومعرفة القرائن وصفات الناقلين، فيسبب ذلك حصول العلم لبعض السامعين دون بعض.

وبهذا ونحوه يرد على من جعل العدد المفيد للعلم في واقعة مطرد الإفادة في كل واقعة، وقد يسلم هذا أحيانًا إذا انتفت القرائن، واتفقت صفات الناقلين والسامعين، ولكن ذلك غير مطرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت