الصفحة 25 من 102

3.وكون هذا النص الصريح في العهد إليه لم يظهر إلا بعد موته بمدة طويلة، وهكذا لم نصدق اليهود في نقلهم عن موسى أنه قال: لا نبي بعدي. حيث أن اليهود لم يكن عندهم من العلم والحفظ والعناية مثل ما عند هذه الأمة، ولم يلتزموا الإسناد، وينقحوا الرواة كما في هذه الأمة؛ وقد أخبرنا الله أن علماء اليهود (يحرفون الكلم عن مواضعه) (النساء:46) ، وأنهم (يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) (البقرة:79) ، وأنهم (يكتمون ما أنزل الله من الكتب ويشترون به ثمنا قليلًا) (البقرة:174) . كما أخبرنا أنهم يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم: (مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل) (الأعراف:157) . وأن عيسى بشر به. ثم إن هذا التواتر إنما طرأ عندهم أخيرًا، وكثر نقلته؛ اعتمادًا على تلك الكتب المفتراة، وقد فقد شرط الكثرة فيهم أولًا حينما قتل بختنصر أكثرهم، وشرد من بقي منهم.

شروط أخرى للمتواتر غير صحيحة:

1.أن لا يحصر الرواة عدد، ولا يحويهم بلد: وهذا فاسد، فإن الغزاة والحجيج مثلا لو أخبرونا بأمر صدهم عما قصدوه لحصل العلم بذلك وهم محصورون وكذا نجزم بصحة ما يقوله أهل المسجد من أمر منعهم عن الجمعة، وقد حواهم مسجد، فضلًا عن بلد. وقد ذكرنا أن العبرة بكثرة العدد، بحيث لا يتصور اجتماعهم على الكذب.

2.شرط العدالة والإسلام: حيث أن الكفر والفسق مظنة الكذب والتحريف، ولئلا يلزم القول بصدق اليهود في نقلهم عن موسى بقاء شريعته، والنصارى في أن المسيح قتل وصلب. وقيل: إنما يشترط الإسلام إذا طال الزمان؛ وهذا له وجه من النظر وجمهور الأصوليين على عدم اشتراط الإسلام والعدالة؛ وذلك أن حصول العلم إنما هو عن وجود الكثرة التي يقطع معها بعدم إمكان التواطؤ على الكذب، لتفرقهم واختلاف آرائهم، وقد أشرنا قريبًا إلى سبب انتفاء العلم عن خبر اليهود ببقاء دينهم، والنصارى بقتل المسيح وصلبه، فليس رد ذلك بسبب الكفر فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت