وكل هذا مما ينافي مقتضى حكمة الله وشرعه ودينه، فلا بد أن تكون هذه السنة محفوظة على الأمة، مصونة عن تطرق الخطأ إليها، ليحصل لهم الانتفاع بهذه الأصول عن يقين ولتقوم عليهم حجة الله.
3 -أن الذين جعلوه مظنونًا -ولو مع القرائن- يجوزون أن يكون في نفس الأمر كذبًا أو خطأ ثم هم مع ذلك يوجبون العمل به مع ما يخالج نفوسهم من احتمال كونه باطلًا، والعمل به ضلالًا وأمرًا مبتدعًا.
ولا شك أن هذا التوقف في ثبوته مع كونه خلاف الظاهر يدفع الثقة بأصول الدين وفروعه التي تلقي أغلبها عن طريق الآحاد؛ ويفتح الباب على مصراعيه لكل من أراد الطعن في شعائر الإسلام وتعاليمه بكون أدلته متوهمة مشكوكًا فيها، ويجلب لنا سوء الظن بسلفنا الصالح الذين تقبلوا هذه الأخبار وحكموا بها، واستباحوا بها الحرام، وسفكوا بها الدماء، وتصرفوا بها في سائر الأحكام، حيث اعتمدوا أدلة غير متحققة الثبوت.
فيتسلط من ها هنا الأعداء عليهم بثلبهم وعيبهم بالتخرص والظن في الدين، ويكون هؤلاء العلماء هم الذين سلطوهم عليهم وعلى أنفسهم من حيث لا يشعرون، فنحن نتحقق أن أولئك الأئمة من السلف يرجعون إلى هذه الأخبار لصحتها عندهم، فلهذا يدعون لها سائر الآراء والاستحسانات، ولم يكونوا يقابلونها بشيء من الأقيسة أو القواعد أو أقوال المشايخ.
وكل هذا مما يحقق لنا أن قد تبينوا ثبوتها، واستفادوا منها العلم اليقيني الذي لا تردد فيه البتة.
وأمثلة قبولهم لها تأتي إن شاء الله في أدلة العمل بالأحاد.
4 -أن هؤلاء المخالفين لما رأوا شهرة قبولها، والرجوع إليها عن السلف وفي مؤلفات أئمتهم الذين قلدوهم في الفروع - لم يجدوا بدًا من الحكم بقبولها في الأعمال، وهذا تناقض ومخالفة لما اعتقدوه من كونها ظنية الثبوت.
وما ذاك إلا لأن الأصل براءة الذمة، فلا تثبت التكاليف بخبر يمكن أن يكون موضوعًا مختلقًا.