الصفحة 41 من 102

وقد اعتقدوا أن السلف إنما عملوا بها وإن كانت مظنونة لأن أدلة العمل يجوز أن تكون ظنية.

وهذا خطأ على السلف، فإنهم لو لم يكونوا يقطعون بصحتها لم يقدموا على العمل بموجبها، وإثبات الأحكام بها أصولًا وفروعًا كما سيجيء إن شاء الله.

وما أدري ما حال عبادات هؤلاء التي فعلوها وقد قارن أنفسهم من الشك والريب في صحة أدلتها ما لابدَّ لهم منه بموجب مذهبهم.

ولا شك أن من كان بهذا الاعتقاد لن ينفك من الوساوس في كل قربة يأتي بها، أو أمر يمتثله، من كون ذلك بدعة أو مغيرًا عن وضعه الأصلي.

ولا بد أيضًا أن يعتقد أن شريعة الله قد اختلط بها ما ليس منها، وامتزجت بما هو كذب، وأنه ليس في الإمكان تخليص دين الله من تلك البدع التي دخلت فيه بموجب تلك الأخبار التي يمكن كونها مكذوبة، ومن ظن شيئًا من ذلك فقد أجاز على المؤمنين أن تكون قرباتهم صادرة عن جهل، ومبعدة لهم عن الله، وجوز على الدين أن يكون قد تنوسي منه الكثير، وتغير ما فيه عما كان عليه، وعبثت به الأيدي، وكل هذا خلاف ما تقتضيه حكمة الله، وخلاف اعتقاد المسلمين جميعًا، وهو من لازم قول هؤلاء شاؤوا أم أبوا.

5-أنهم مع توقفهم في صحة أخبار أولئك الثقات من السلف يصدقون بما تلقوه عن رؤوس الجهمية والمعتزلة، من تلك الأدلة يزعمونها براهين عقلية، وهي في الحقيقة خيالات وتمويهات، ولكنها مع ذلك تفيد العلم عندهم. وما ذاك إلا لثقتهم بمشايخهم الذين علموهم تلك القواعد، مع أن المرجع فيها غالبًا إلى الفلاسفة، وضلال الصابئة والمجوس واليونان، ونحوهم من الكفرة. فلم يعطوها حكم الآحاد الذي جعلوه للأخبار النبوية، وهو كونها مظنونة متوقفًا في ثبوتها.

6-أنهم يتحققون نسبة أقوال أئمتهم إليهم، ويجزمون بكونها مذاهب لهم، ويجادلون عنها ويتفاوتون في نصرتها؛ ولو شك فيها أحد لأنكروا عليه واستجهلوه.

مع أن نقلها عن أولئك الأئمة إنما كان عن طريق الآحاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت