ومع ما يوجد بينها من التضارب والتناقض أحيانًا مما يوضح أن قد دخلها الوهم والتغيير.
ولم يكن شيء من ذلك سببًا لتوقفهم فيها، ولم يعطوها حكم الآحاد في أنها مظنونة لا تفيد اليقين.
7-أن من المتيقن عندهم أيضًا نسبة المؤلفات التي بأيديهم في سائر العلوم إلى أهلها، وإضافة ما نقلوه منها إلى من اشتهرت باسمه عن طريق الجزم، مع استمرار العزو إليها وإلى مؤلفيها، مع أنها لم ترو في الغالب عن أربابها إلا بأسانيد محصورة لا تخرج عن كونها آحادًا.
ولم يوجد من ينكر صحة نسبتها أو يعطيها أحد حكم الآحاد.
بل إنهم يتحققون نسبة مؤلفات من قبل الإسلام بزمن طويل، ككتب أرسطو ونحوه، مع ما تعرضت له من العبث بها والتصرف فيها. وكل هذا لم يمنع كونها صحيحة عمن نسبت إليه، مقطوعًا بها.
8-ما هو متداول بين المسلمين وغيرهم من نسبة كل قول إلى قائله، وقبوله ممن نقله وإن كان واحدًا، ومعاملة قائله بموجبة مدحًا أو ذمًا.
وهذا ما لا يمكن إنكاره؛ ولم يسمع أن أحدًا قال: إنه لا يفيد العلم، أو لا يصدق باطنًا، كما جعلوا ذلك لخبر الآحاد في الحديث النبوي.
9-اعتماد كل تلميذ على أنواع العلوم التي يتلقاها عن شيخه، واعتقادها، والتفريع عليها، والذب عنها، مع أن أستاذه فيها واحد، نقلها عمن فوقه، وقد يكون أيضًا واحدًا. ولكن لثقته بشيخه، ومعرفته منه الصدق والعدالة، لم يوجد منه التوقف فيها، ولا قال أحد إنها لا تفيد إلا الظن.
فلو أعطاها هؤلاء حكم الآحاد الذي زعموه للأخبار النبوية لما كانوا على يقين من علومهم العقلية والنقلية ولا محيص لهم من أحد أمرين:
أ- الاعتراف بأن جميع ما تعلموه وما يعتقدونه كله ظن.
ب_ القول بأن علماءهم امتازوا عن سلف الأمة ونقلة الحديث وفضلوهم، بحيث صار خبر علمائهم يفيد اليقين، وخبر المحدثين عن نبيهم مهما بلغوا من الصدق و الثقة و الحفظ و الديانة إنما يفيد الظن، وهذه مباهتة، يردها العقل وواقع الأمر.