10-أن كل عاقل يضطر إلى الجزم بخبر العدل بعقله، وإن أنكر ذلك بلسانه عنادا ً، وشاهد الحال أوضح برهان على ذلك؛ فإن الإنسان يسمع خبرًا بقدوم صاحبه أو قريبه فيتلقاه من بعيد، أو يزوره، مع ما يناله في ذلك من المشقة أحيانًا أو الانقطاع عن العمل، ويعمل بخبر رسول صاحبه إليه فيعطيه ما طلبه ولو نفيسًا، وقد يذهب معه تاركًا أعماله وأمواله ولو خالجه شك أو توهم في صدق هذا الخبر لما أقدم على إنهاك بدنه، أو إضاعة وقته، فلا بد أنه جازم بصحة الخبر الذي نقله فرد من عامة الناس، ومما لا يستطاع إنكاره عمل العوام بخبر الواحد، وهم لا يعرفون هذا الاصطلاح، فترى أحدهم يقدم على تجشم المشاق، وركوب الأخطار لمجرد خبر قد يكون بكتاب أو بهاتف ونحو ذلك، فيبني عليه أسفارًا ونفقات، وإضاعة أوقات، لجزمه بصدق ذلك القائل.
وهكذا تقوم حركات الناس في أسواقهم على خبر الواحد، فتراهم يزيدون في قيم السلع أو ينقصون، أو يجلبونها إلى البلاد النائية ونحو ذلك بناء على نشرة أو إذاعة أو مكالمة وما ذاك إلا لاعتقادهم صحة الخبر، وتجربتهم صدقه مرة بعد مرة.
11-ما هو متواتر عن السلف والمحدثين وغيرهم من جزمهم بالأحاديث النبوية كثيرًا، وإضافتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصريحًا، وحكمهم بصحة ما ثبت عندهم منها، وهكذا تفريقهم عند نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحيح والضعيف والمشكوك فيه، بحيث يذكرون الأول بصيغة الجزم، والثاني بصيغة التمريض، مما هو صريح في قطعهم بالصحيح، وعلمهم بصدوره عمن نسب إليه. ولو كان الجميع سواء في إفادة الظن لما فرقوا بينهما بما ذكر.
فأنت تراهم دائمًا يقولون: صح عنه صلى الله عليه وسلم كذا، وأمر بكذا، أو قال كذا، أو فعل كذا، فعند شكهم في صحة الخبر يعدلون عن الجزم إلى عبارة تفيد توقفهم في صحته، كقولهم: يُذكر عنه كذا، أو يروى، أو روي أو حكي، أو نحو ذلك.