الصفحة 44 من 102

فجزمهم بنسبة الأول صريح في قطعهم بصحته، وعلمهم بما تضمنه.

وعدولهم في الثاني عن صيغة الجزم إلى صيغة التمريض كما مثل دليل أنه إنما يفيد الظن عندهم أو الوهم، وهذا عمل مستمر بين المحدثين و علماء السنة من غير نكير، و ليس مرادهم الحكم بصحة السند فقط، كما توهمه بعض أهل الظن، فقد اشتهر عنهم التفريق في التصحيح بين صحة السند وصحة المتن، حيث يقولون للأول: إسناده صحيح، أو صحيح الإسناد، وللثاني حديث صحيح ونحوه.

12-إجماع سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن بعدهم من علماء الأمة في كل زمان ومكان على تلقي هذه الأخبار بالقبول، والعمل بها، وترك الآراء والمذاهب لأجلها، ومن رد منها شيئًا اشتغل بتأويله وصرفه عن ظاهره لئلا يرد عليه مما يدل على تصديقه لها.

وإن وجد بين الأمة من أعلن رد شيء منها بدون تأويل لم يكن معتبرًا، ولا خارقًا للإجماع لشذوذه.

فقبول علماء الأمة ومجتهديها لهذه الأخبار بدون توقف ولا معارضة لها بأصول أو مذاهب يحقق أن قد اطمأنوا إلى صحتها، وتيقنوا ثبوتها، وذلك كحديث: (لا وصية لوارث) . وحديث أخذ الجزية من المجوس وأحاديث إثبات الشفعة، وزكاة الفطر، وتحريم بيع الولاء وهبته وأن الولاء لمن أعتق، وأمثالها كثير، مما لم يتوقف أحد من علماء الأمة المعتبرين في العمل به أو تصديقه.

بل إن جمهور أحاديث الصحيحين قد تقبلتها الأمة وعملت بموجبها، وذلك تصديق لها يقينًا، كما احتج بذلك بعض أجلاء العلماء على ما اختاروه من إفادتها العلم اليقيني، كابن الصلاح، وأبي طاهر النسفي وغيرهما كما سبق. وليس المراد إجماع أفراد من ينتسب إلى الأمة من كل الفرق وفي جميع الأزمنة، فإن أهل البدع المخالفين لبعضها في الاعتقاد لا يحصل لهم العلم بما تواتر منها فضلًا عن الآحاد، فقد رد الروافض أحاديث فضائل الصحابة رضي الله عنهم مع تنوعها؛ وكذا أحاديث المسح على الخفين، ، وهي من التواتر المعنوي؛ ورد المعتزلة أحاديث الشفاعة ونحوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت