الصفحة 46 من 102

فتعظيم الأمة لهذين الكتابين، والرجوع إلى أحاديثهما عند الاختلاف، والتشنيع على من ترك شيئًا مما فيهما ولو بتأويل، والنقل المستمر منهما عند أفراد العلماء، هذا وغيره مما حمل ابن الصلاح وغيره على الجزم بصحة ما فيهما سوى ما استثنى.

وبهذا ونحوه تعلم ضعف ما تعقب به الأمير الصنعاني الإجماع على تلقي الصحيحين بالقبول، حيث أطال في توضيح الأفكار بأن دعوى الإجماع لا دليل عليها، وأن الإجماع متعذر، لقول الإمام أحمد: من ادَّعى الإجماع فقد كذب. وبأن الإجماع لا يتم إلا بعد عصرهما بزمان طويل، حتى ينتشرا في أقاصي بلاد الإسلام؛ وبأنه يغلب على الظن أن من المجتهدين من لا يعرفهما؛ وأن معرفتهما ليست شرطًا في صحة الاجتهاد، وأن الأمة إنما عصمت عن الضلالة لا عن الخطأ، فلا يلزم محذور من عمل الأمة بما ليس بصحيح خطأ، وأنه لا يلزم صحة ما فيهما بمجرد عمل الأمة به، فإن الحسن يعمل به ... إلخ.

فيقال أما بينة دعوى الإجماع فتظهر بما ذكرناه من تعظيم الأمة لهذين الكتابين، وانتشارهما في بلاد الإسلام، ومن لم يعرفهما ولا شيئًا من أحاديثهما لم يكن قد عرف السنة، ولن يفهم القرآن وتعاليمه، فلا يسمى مجتهدًا.

فأما تكذيب أحمد لمدعي الإجماع فقيل من باب الورع، وقيل: إنه في حق من ليس له معرفة بالخلاف، كما صح عنه حكاية الإجماع في مواضع، فأما قبول الصحيحين في الجملة عند مجتهدي الأمة فهو مما لا يمكن جحوده، فلا يتصور أن فيه خلاف، ولو حدث خلاف له وجه من النظر لاعتبر ذكره واشتغل بجوابه. مع أن الصنعاني لم يصرح بمن هو مخالف في ذلك، وكأنه قصد خلاف الزيدية، وردهم لبعض الأحاديث المخالفة لمذهبهم كغيرهم، وعلى كل حال فقد جزم بالإجماع هنا جهابذة العلماء قبله وبعده.

وقد حصل الإجماع قبل ذلك من الصحابة والتابعين وسلف الأمة على قبول مثل هذه الآحاد، والعمل بها وترك الاجتهاد لأجلها؛ مما يؤكد يقينهم بصحتها، وصدروها عمن نسبت إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت