ولا تعتبر مخالفة من تأخر عنهم أو من ليس من أهل صناعتهم، ذلك أن الاعتبار في كل علم بأهله، لا بمن أعرض عنه إلى سواه.
فلا تعتبر مخالفة الخوارج، والمعتزلة، والشيعة ونحوهم، كما لا تعتبر مخالفة الأطباء والنحاة، والمتكلمين ونحوهم، ممن ليس لهم اشتغال بطرق الحديث ورجاله، وتتبع رواياته ومتابعاته، ونحو ذلك مما هو عمل أهل الحديث.
وإن تحقق هذا الإجماع من مجتهدي الأمة وأتباعهم فإن الأمة معصومة أن تجتمع على خطأ أو ضلالة فإذا حصل الإجماع على اعتبار قياس أو ترجيح أحد الاحتمالين في النص، أو العمل بالحديث الحسن، دل ذلك على صحة ما أجمعوا عليه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر توافقهم حتى في الرؤيا كما قال: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) يعني ليلة القدر.
وإذا قدر جواز الخطأ على الواحد من أفراد الأمة فوقوعه من الجميع ممتنع، كما أن الواحد من نقلة المتواتر يجوز عليه الخطأ، ولا يجوز على المجموع.
فخبر الواحد إن قيل: إنه بمجرده ظني، فإن تقبل الأمة له وعملها بموجبه يوجب أن يكون قطعيًا، فإن عمل الأمة بما هو كذب في الباطن لا يجوز، لأنه خلاف ما ضمن الله لها من العصمة.
فإذا روي في السنة خبر ليس بصحيح، فلا بد أن يوجد في الأمة من ينكره، ويبين بطلانه، ممن تقوم ببيانه الحجة.
وقد حصل الإجماع على العمل بأغلب أحاديث الصحيحين وغيرهما، فدل على أنه صدق وحق في نفس الأمر، وإلا كان الإجماع منعقدًا على العمل بما هو كذب، وهو مما يعلم بطلانه قطعًا.
وأيضًا فإنه لا يجوز في الشريعة التباس الحق بالباطل دون دليل يتميز به كل من الآخر، فقد جعل الله على الحق من النور والضياء ما يعرفه به أهل المعرفة بالله وبدينه وبشرعه.