الصفحة 49 من 102

وما زال المسلمون في كل زمان ومكان يفتون بموجب هذه النصوص وإن كانت آحادًا، ويحلون بها أشياء ويحرمون أشياء، ويعاقبون على تركها، ولو كانت إنما تفيد الظن عندهم لدخلوا تحت قوله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) (النحل:116) .

فالقائلون بأنها ظنية ويجب العمل بها، يلزمهم القول بأن الله أمر بما نهى عنه، وما ذمه في هذه الآيات، حيث أوجب أن نحكم في دينه وشرعه بأدلة متوهمة، وقد نهانا عن التخرص في الدين، وأخبر أنه خلاف الهدى الذي جاءهم من ربهم، وإذًا فلا فرق بين أهل الظن وبين أولئك المشركين الذين قال الله فيهم: (إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) (الأنعام:148) .

وقد نهى الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقفوا ما ليس له به علم، بل جعل القول عليه بلا علم في منزلة فوق الشرك، كما في آية المحرمات في سورة الأعراف، حيث ترقى من الأسهل إلى الأشد، فبدأ بالفواحش، ثم بالإثم وهو أشد، ثم بالبغي وهو أعظم من الإثم، وبعده الشرك أشد منه، ثم القول على الله بلا علم، فأي ذم أبلغ من هذا.

وقد تكلف بعض المتكلمين الجواب عن هذا الدليل، فذكر الآمدي وجهين في ذلك وهما:

1-أن العمل بالآحاد عمدته الإجماع على وجوب العمل بها، لا خبر الواحد، وهذا الإجماع قطعي الدلالة لا ظني.

2-حمل هذه الآيات على ذم الظن والتخرص في أمور الاعتقاد، وما لا بد فيه من اليقين، والجواب عن الأول: أنه وافق على وقوع الإجماع، وقد بينا أن الإجماع دليل القطع بالنص المجمع على العمل به.

والجواب عن الثاني أنا نمنع التفريق بين الأصول والفروع، وسيأتي إن شاء الله أن الأصول مما تثبت بالآحاد، فالنهي عن الظن على عمومه في الجميع، ويراد به ما لم يكن مبنيًا على دلائل وأمارات توجيه، بل هو مجرد وهم وتخمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت