وسيأتي إن شاء الله بسط دلالة الآيتين، والجواب عما يرد عليهما، في أدلة العمل.
17-ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثه الآحاد إلى أطرف البلاد، ليبلغوا عنه ما أمره الله بتبليغه من الدين، وليعلموهم شرائع الله.
ولو لا أن أخبارهم تفيد العلم لم يحصل البلاغ، ولحصل التوقف من المدعوين، ولم ينقل أن أحدًا منهم قال لمن علمه شيئًا من الدين، أو طلب منه جزية، أو زكاة أو نحوها: إن خبرك لا يفيد العلم، فأنا أتوقف حتى يتواتر الخبر بما ذكرت.وقد اكتفى صلى الله وسلم بتبليغهم عنه، وتعليمهم ما أمر الله به.
وقد حصل بذلك تبليغ الرسالة الذي كلفه الله بها بقوله: (بلغ ما أنزل إليك من ربك) (المائدة:67) . ونحوها منه ومن رسله وأتباعه بعده، وبذلك قامت حجة الله على الخلق، ومحال أن يحصل البلاغ بما فيه شك أو توهم.
18-أن الله أمر برد ما يحصل فيه النزاع إليه وإلى رسوله في قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) (النساء:59) ، وقال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (النور:63) .
والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد موته، ولو كانت سنته إنما تفيد الظن لم ينفصل النزاع بالرد إليها.
ومن المعلوم أن أكثر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم إنما رويت أحادية، ولم يزل سلف الأمة ومن تبعهم يتحاكمون إليها امتثالًا لهذا الأمر، ويجعلونها فاصلة للنزاع بينهم، ويرضون بها حكمًا، ويشتد إنكارهم على من امتنع عن قبولها، ويخوفونه بالفتنة والعذاب الأليم الذي توعد الله به من خالف أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو كان أمره الوارد في هذه الأخبار لا يفيد يقينًا لكان المخالف له معذورًا عندهم، وهو خلاف الإجماع كما تقدم.