شهر الصيام خير مدرسة لمن كان مبتلى بالشهوات والطمع في أعراض الناس، تزجره عن ذلك إذا عقل حكم الله وتدبر حكمته وحرص على إصلاح صومه وتحصيل ثوابه، ففيه يتدرب على غض البصر وكف الجوارح وشغل القلب بالتفكر في آيات الله وتذكر نعمه عليه نعمة نعمة ويحاسب نفسه على شكرها بحسن التصرف فيها، وأما أولئك العابثون الذين يطلقون أبصارهم في الحرام ولا يراعون حرمة للزمان فلا يجنون على أنفسهم إلا الحسرة والندامة في الدنيا وفي الآخرة عذاب أليم.
وصدق الشاعر [1] إذ يقول:
وكنت متى أرسلت طرفك رئدًا إلى كل عين أتعبتك المناظر
أصبت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ومن الآداب المستحبة للصائم:
أ ـ كثرة القراءة والذكر والدعاء والصلاة والصدقة.
ب ـ استحضاره نعمة الله عليه، حيث وفقه للصيام ويسره عليه فكم من شخص يتمنى الصوم ولا يتيسر له.
ج ـ حفظ سائر الجوارح عن القبائح، فلا يفعل الصائم ما يخدش صيامه أو يشينه، والجوارح المأمور بحفظها: اللسان والعين والأذان والبطن والفرج واليد والرجل. فإذا صان المسلم جوارحه عن الآثار فقد كمل صومه وضوعف أجره.
د ـ يستحب للصائم أن يفطر صائمًا أو أكثر ولو على تمرة أو شربة ماء فهذا من أفضل الصدقة في رمضان.
هـ ـ يستحب للصائم أن يستعمل السواك، ولا فرق بين أول النهار وآخره ــ على ما رجحناه ــ لأن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب.
هذه بعض آداب الصوم الواجبة والمستحبة التي ينبغي للصائم أن يتأدب ويتحلى بها ليفوز يوم التغابن يوم يربح أقوام ويخسر آخرون.
يقول ابن رجب ـ رحمه الله ـ: الصائمون على طبقتين:
أحدهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى يرجوه عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا تاجر مع الله وعامله والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا ولا يخيب معه من عامله، بل يربح أعظم الربح...
(1) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم ج 2 ص 271.