3-فصل.
-في بيان حال المتأخرين من سوء أمورهم وتأخرهم عن ركب المتقدمين.
وقد كان جماهير أئمة السلف يعرفون صحيح المنقول من سقيمه، ومعلوله من سليمه ثم يستخرجون حكمه ويستنبطون علمه، ثم طالت طريق البحث على من بعدهم فقلدوهم فيما نقلوا، وأخذوا عنهم ما هذبوا، فكان الأمر متحاملا إلى أن آلت الحال إلى خلف لا يفرقون بين صحيح وسقيم، ولا يعرفون نسرا من ظليم، ولا يأخذون الشئ من معدنه، فالفقيه منهم يقلد التعليق في خبر ما غبر خبره، والمتعبد ينصب لأجل حديث لا يدرى من سطره، والقاص يروي للعوام الاحاديث المنكرة ويذكر لهم ما لو شم ريح العلم ما ذكره، فخرج العوام من عنده يتدارسون الباطل فإذا أنكر عليهم عالم قالوا: قد سمعنا هذا بأخبرنا، وحدثنا، فكم قد أفسد القصاص من الخلق بالأحاديث الموضوعة، كم من لون قد أصفر بالجوع، وكم هائم على وجهه في السياحة، وكم مانع نفسه ما قد أبيح، وكم تارك رواية العلم زعما منه مخالفة النفس في هواها في ذلك، وكم مُوتِمٍ أولاده بالتزهد وهو حى، وكم معرض عن زوجته لا يوفيها حقها، فهى لا أيم ولا ذات بعل.