وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 1] وإنما أراد به الناس، ألا ترى أنه استثنى منه جماعة. ويقال: إن نوحًا كان يدعو قومه إلى الإيمان به، وبالأنبياء الذين بعده، فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل، فلهذا قال: لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً يعني:
عبرة لمن بعدهم وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا أي: وجيعًا.
ثم قال عز وجل: وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ يعني: واذكر عادًا وثمود وأصحاب الرس، وهم قوم قد نزلوا عند بئر كان يسمّى: الرس، فكذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعالى، ويقال: إنما سُمُّوا أصحاب الرس، لأنهم قتلوا نبيهم ورسولهم في بئر لهم، وقال مقاتل: يعني:
البئر التي كان فيها أصحاب ياسين بأنطاكية التي بالشام وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا يعني: أهلكنا أممًا بين قوم نوح وعاد، وبين عاد وثمود إلى أصحاب الرس كثيرًا وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ يعني: بينا لهم العذاب أنه نازل بهم في الدنيا وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا أي: دمرناهم بالعذاب تدميرًا، يقال: تبره إذا أهلكه.
[سورة الفرقان (25) : الآيات 40 الى 42]
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا (40) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ يعني: أهل مكة مروا على القرية الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ يعني: قريات لوط أمطرنا عليهم الحجارة: أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها يعني:
أفلم يبصروها، فيعتبروا بها بَلْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا يعني: بل كانوا لا يخافون البعث.
ويقال: لا يرجون ثواب الآخرة، وإنما جاز أن يعبر عنهما، لأن في الرجاء طرفًا من الخوف، لأن كل من يرجو شيئًا فإنه يخاف، وربما يدرك، وربما لا يدرك.
قوله عز وجل: وَإِذا رَأَوْكَ يعني: أهل مكة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا يعني: ما يقولون لك إلا سخرية فيما بينهم ويقولون: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا يعني: إلينا، وهو قول أبي جهل حين قال لأبي سفيان بن حرب: أهذا نبي بني عبد مناف إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا يعني: أراد أن يصرفنا عَنْ آلِهَتِنا يعني: عن عبادة آلهتنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها يعني: ثبتنا على عبادتها لأدخلنا في دينه. حكى قولهم ثم بين مصيرهم فقال: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ يعني: يوم القيامة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا يعني: أخطأ طريقًا، يعني: يبيّن لهم أن الذي قلت لهم كان حقا.
[سورة الفرقان (25) : الآيات 43 الى 46]
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (46)