المخاطبة. يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، يقول: يطلبون إلى ربهم القربة والفضيلة والكرامة بالأعمال الصالحة. أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، أكرم على الله تعالى، وأقرب في الفضيلة والكرامة.
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، أي جنته. وَيَخافُونَ عَذابَهُ، أي ناره. إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا، يعني: لم يكن لأحد أمان من عذاب الله تعالى، ويقال: مَحْذُورًا يعني: ينبغي أن يحذر منه.
وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كان ناس من الإنس يعبدون قومًا من الجن، فأسلم الجن وبقي الإنس على كفرهم، فأنزل الله» : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ، أي: الجن يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ. وروى السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ «عيسى وعزيرًا والملائكة، وما عبد من دون الله وهو لله مطيع» .
[سورة الإسراء (17) : الآيات 58 الى 60]
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (58) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا (59) وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا (60)
قوله عز وجل: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ قال ابن عباس:
«يعني: نميت أهلها» . أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا، يعني: بالسيف والزلازل والأمراض والخوف والغرق والحرق. كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا، أي: في الذكر الذي عند الله، وقال مجاهد: مُهْلِكُوها أي مبيدوها أو معذبوها بالقتل والبلاء، ما كان من قرية في الأرض إلا سيصيبها بعض ذلك. روى حماد بن سلمة، عن أبي العلاء، عن مكحول أنه قال: «أول أرض تصير خرابًا أرض أرمينية» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «أول أرض تصير خرابًا أرض الشام» وروى ابن سيرين عن ابن عمر أنه قال: «البصرة أسرع الأرضين خرابًا وأخبثهم ترابًا» . عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: «أكثروا الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة حمش الساقين، يهدمها حجرًا حجرًا» .
ثم قال تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ، وذلك أن قريشًا طلبوا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يأتيهم بآية، فنزل وَما مَنَعَنا أي ليس أحد يمنعنا أن نرسل الآيات عند ما سألوها. إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، يعني: تكذيب الأولين حين أتتهم الآيات، فلم يؤمنوا، فأتاهم العذاب.
قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس بن السراج قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن