فهرس الكتاب
ولكن أوضاع الجزيرة العربية الاقتصادية والاجتماعية وبخاصة مكة، دخلت مرحلة متسارعة من التغيرات الكيفية الناتجة عن تغيرات عديدة متراكمة، ومرتبطة بظروف أدت إليها، مما هيأ مكة للتحول من كونها مجرد استراحة ومنتدى وثني دنيوي على الطريق التجاري، للقيام بدور تاريخي حتَّمتْه مجموعة من الظروف التطورية في الواقع العربي والعالمي، وكان ذلك الدور هو توحيد عرب الجزيرة في وحدة سياسية مركزية كبرى ( [48] ) .
فكان الأحناف تجسيدًا لنزوع ما لاتجاه جديد في رؤية العالم في هذه الثقافة، وكان محمد صلى الله عليه وسلم جزءًا من هذا الاتجاه ( [49] ) . ولم يكن متشددًا مثل زيد بن عمرو بن نفيل فكان يتقبل الأكل مما ذبح على النصب لأنه كان ينتمي إلى ثقافة وواقع ومجتمع ( [50] ) .
وتهيأت مكة لقبول فكرة الإله الواحد، ومن هنا يكون توحيد الأديان في إله واحد قد جاء عند الرواد الحنيفيين كناتج طبيعي لهدير الواقع، وقد حتمت الظروف، وتضافرت الأحداث بحيث صبت الأقدار في يد قريش، وفي البيت الهاشمي الذي أخذ على عاتقه تحقيق هذا الأمر العظيم ( [51] ) .
""ولم يجد الآخرون [يقصد أقارب النبي صلى الله عليه وسلم] سوى الاهتداء إلى أنه لا حل سوى أن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبيًا مثل داوود"" ( [52] ) .""واتبع محمد صلى الله عليه وسلم خطا جده كما اتبع خطواته من قبل إلى غار حراء، وأعلن أنه نبي الفطرة"" ( [53] ) ""وعندما بلغ الأربعين حسم الأمر بإعلانه أنه نبي الأمة"" ( [54] ) .
وهكذا يبدو الإسلام في - المنظور العلماني - ليس إلا حلمًا سياسيًا راود عبد المطلب ثم حققه الحفيد محمد صلى الله عليه وسلم""أي جدي ها أنذا أحقق حلمك""وقد حققه ( [55] ) .
وهكذا استبدل الإسلام بالآلهة إلهًا واحدًا، وانتسب إلى دين إبراهيم لاستيعاب اليهودية والنصرانية ( [56] ) ، وبحثًا عن الهوية القومية للعرب ( [57] ) لأنه""… أصبح تعدد الأرباب عائقًا دائمًا ومستمرًا في سبيل المحاولات التي قامت من أجل خلق كيانات سياسية في جزيرة العرب"" ( [58] ) .
وحتى القرآن ما هو إلا مجرد تراكيب لغوية اقتبسها النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية بن أبي الصلت وخصوصًا ما يتعلق بوصف القيامة والبعث والجنة والنار ( [59] ) ، وحتى تسمية ديننا بالإسلام ما هي إلا من بقايا زيد بن عمر بن نفيل حيث كان هذا يسمي حنيفيته بالإسلام ( [60] ) .
ثالثًا - التورخة التشطيرية:
يحرص الخطاب العلماني على الحديث عن إسلامات متعددة، وذلك ليمزق الإسلام تمزيقًا شديدًا، لكي تسهل عملية تصفيته وتذريته في الرياح، ويُحمَّل الإسلام لتحقيق ذلك كل التجليات التاريخية للحياة الاجتماعية والسياسية التي مرت بها وتمر بها الأمة الإسلامية، فتُحُدِّث عن الإسلام الرسمي المرتكز على سلطة الدولة المركزية والذي مارس بنظر العلمانيين دوره في التحريف والتزييف ( [61] ) ، ويقصد أركون بالإسلام الرسمي أنه"نتاج الخيار السياسي الذي اتخذته الدولة أو النظام الحاكم الذي راح يصفي معارضيه جسديًا" ( [62] ) ،وهو مصطلح استعاره الخطاب العلماني من نيكلسون كما هو واضح ( [63] )
وهذا الإسلام السلطوي يسميه محمد أركون أحيانًا الإسلام الأرثوذكسي ( [64] ) ، وأحيانًا الإسلام الكلاسيكي التقليدي ( [65] ) ، وأحيانًا الإسلام الأقنومي ويعني به أن المسلمين حولوا الإسلام إلى أقنوم ضخم ومضخم، قادر على كل شيء، ويؤثر في كل شيء، دون أن يتأثر بشيء، في حين أنه هو يريد الإسلام المعاصر الذي يخضع للتاريخية مثله مثل أي شيء على وجه الأرض ( [66] ) . وأحيانًا الإسلام الملاذ، أي إسلام الهروب من مواجهة المشاكل الملحة، إسلام التعذر والتعلل، إسلام الملاذ من الفشل، الإسلام الذي يبدو وحده كتعاليم إلهية قادرًا على الحفاظ على التماسك الاجتماعي ( [67] ) . وليس هو السلامة المعرفية والصحة الأبستمولوجية ( [68] ) . هذه الإسلامات المتعددة تقابل الإسلام المعاصر كما أشرنا أو الإسلام الدين ولكنه إسلام أركوني جديد ( [69] ) .
(يُتْبَعُ)