فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 8348

وكما أنك لو ولدت كلامًا في الزهد، وموعظة للناس، ثم قلت: هذا من كلام بكر بن عبد الله المزني، وعامر بن عبد قيس العنبري، ومورق العجلي، ويزيد الرقاشي، لتضاعف حسنه، ولأحدث له ذلك النسب نضارة ورفعة لم تكن له. ولو قلت: قالها أبو كعب الصوفي، أو عبد المؤمن، أو أبي نواس الشاعر، أو حسين الخليع، لما كان لها إلا مالها في نفسها. وبالحرى أن تغلط في مقدارها، فتبخس من حقها""

ثم أخي

اقرأ هذا النص العالي، الذي يحلو في النفس ويعذب في السمع، وقل لي بربك لو أردت أن تقف على مثل هذا الكلام بمثل هذا النظم المحبوك والوشي المسبوك، أكنت ستبحث عنه في كتاب البخلاء!؟

"وأنا أزعم أن البكاء صالحٌ للطبائع، ومحمودُ المغَبَّة، إذا وافقَ الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يَعْدِل عن الجهة، ودليلٌ على الرقة والبعد من القسوة، وربما عُدَّ من الوفاء، وشِدَّة الوَجْدِ على الأولياء، وهو من أعظم ما تَقَرَّب به العابدون، واستَرْحَمَ به الخائفون."

وقال بعضُ الحكماء لرجل اشتد جزَعُه من بكاء صبي له: لا تجزع، فإنه أفتح لجُرْمِه، وأَصَحُ لبصره.

وضرب عامر بن قيس بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة لا تندى! وقيل لصفوان بن محرز عند طول بكائه وتذكر أحزانه: إن طول البكاء يورث العمى؛ فقال: ذلك لها شهادة، فبكى حتى عمى.

وقد مدح بالبكاء ناس كثير: منهم يحيى البَكَّاء، وهيثم البكاء. وكان صفوان بن محرز يسمى البكاء.

وإذا كان البكاء الذي ما دام صاحبه فيه؛ فإنه في بلاء - وربما أعمى البصر، وأفسد الدماغ، ودل على السُخْف، وقضى على صاحبه بالهَلَع، وشُبِّه بالأَمَة اللَّكْعَاء، وبالحدث الضرع - كذلك، فما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور، إلى أن ينقطع عنه سببه؟ ولو كان الضحك قبيحًا من الضاحك، وقبيحًا من المضحك، لما قيل للزَهْرَة والحَبْرَة والحُلُي والقصر المَبْنِي: كأنه يضحك ضحكًا.

وقد قال الله جل ذكره:"وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا". فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت. وإنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص. وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيمًا، ومن مصلحة الطباع كبيرًا، وهو شيء في أصل الطباع، وفي أساس التركيب.

لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، وقد تطيب نفسه به، وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه الذي هو علة سروره، ومادة قوته.

ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضَحَّاك وببَِسَّام وبطَلْق وبطَلِيق. وقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم ومزح. وضحك الصالحون ومزحوا. وإذا مدحوا قالوا: هو ضحوك السن، وبسام العشيات، وهش إلى الضيف، وذو أريحية واهتزاز. وإذا ذموا قالوا: هو عبوس، وهو كالح، وهو قطوب، وهو شتيم المحيا، وهو مكفهر أبدًا، وهو كريه، ومقبض الوجه، وحامض الوجه؛ وكأنما وجهه بالخل منضوح!

وللمزح موضع، وله مقدار، متى جازها أحد، وقصر عنهما أحد، صار الفاضل خطلًا، والتقصير نقصًا. فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر. ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدًا، والضحك وقارًا""

أظنك نسيت سؤالي، واستدرجك أبو عثمان نحو بيانه وبرهانه!

ولكن لا عجب فالجاحظ هو الذي يكتب والجاحظ هو الذي يصور ...

وأخيرا فالكتاب ليس بالهين اللين فلك فيه ثلاثة أشياء، كما ضمنها لك أبو عثمان وهي:"تبين حجة طريفة، أو تعرف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه إذا شئت، وفي لهو إذا مللت الجد".

وأظن أني لست بحاجة إلى إذكارك بأن العقيدة ليست مما ضمنها لك، وإذا ضمنها فليست ممن تأخذ منه، وإذ تصدى وأخذ ينثرها في كتابه ففر منها فرارك من الأسد ..

تولاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته

ـ [أبو أحمد العجمي] ــــــــ [06 - Nov-2007, صباحًا 11:57] ـ

هكذا كل كتب الجاحظ كل منها يدور حول قضية مركزية وإن ظن الظان غير ذلك

بارك الله فيك أخي الكريم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت