فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أحمد الفارس] ــــــــ [06 - Nov-2007, صباحًا 10:33] ـ
وهذا كتاب من أسير كتب النادرة البحر، أبو عثمان عمرو ابن بحر، يظن كثير ممن سمع به ولم يقرأه، أنه إنما يتلو قصة وراء قصة وحادثة وراء حادثة في أخبار البخلاء، وأنه مجرد أقاصيص فكاهية.
والحق أن هذا هو ظاهر الكتاب؛ أما باطنه فهوأصول في علم البخل وفلسفته، وتصوير لآراء كثير من البخلاء وعقولهم ومعالجة لنفسيات البخلاء وميولهم وأهواءهم،و"ذكر لنوادر البخلاء، واحتجاج الأشحاء ولم سموا البخل صلاحًا، والشح اقتصادًا، ولم حاموا على المنع، ونسبوه إلى الحزم، ولم نصبوا للمواساة، وقرنوها بالتضييع، ولم جعلوا الجود سرفًا، والأثرة جهلًا، ولم زهدوا في الحمد، وقل احتفالهم بالذم، ولم استضعفوا من هش للذكر، وارتاح للبذل، ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل إلى ثناء، ولا ينحرف عن هجاء؛ ولم احتجوا بظلف العيش على لينه، وبحلوه على مره؛ ولم لم يستحيوا من رفض الطيبات في رحالهم، مع استهتارهم بها في رحال غيرهم، ولم تتايعوا في البخل؛ ولم اختاروا ما يوجب ذلك الاسم، مع أنفتهم من ذلك الاسم؛ ولم رغبوا في الكسب، مع زهدهم في الإنفاق؛ ولم عملوا في الغنى، عمل الخائف من زوال الغنى، ولم يفعلوا في الغنى، عمل الراجي لدوام الغنى، ولم وفروا نصيب الخوف، وبخسوا نصيب الرجاء، مع طول السلامة وشمول العافية، والمعافى أكثر من المبتلى، وليست الحوائج أقل من الفوائد. فكيف يدعوا إلى السعادة من خص نفسه بالشقوة، بل كيف ينتحل نصيحة العامة من بدأ بغش الخاصة؟ ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما أجمعت الأمة على تقبيحه، ولم فخروا مع اتساع معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه؟ وكيف يفطن عند الاعتلال له، ويتغلغل عند الاحتجاج عنه إلى الغابات البعيدة، والمعاني اللطيفة، ولا يفطن لظاهر قبحه، وشناعة اسمه، وخمول ذكره، وسوء أثره على أهله؟ وكيف وهو الذي يجمع له بين الكد وقلة المرفق، وبين السهر وخشونة المضجع، وبين طول الاغتراب وطول قلة الانتفاع، ومع علمه لأن وارثه أعدى له من عدوه، وأنه أحق بما له من وليه؟ أو ليس لو أظهر الجهل والغباوة، وانتحل الغفلة والحماقة، ثم احتج بتلك المعاني الشداد، وبالألفاظ الحسان، وجودة الاختصار، وبتقريب المعنى، وبسهولة المخرج، وإصابة الموضع، لكان ما ظهر من معانيه وبيانه، مكذبًا لما ظهر من جهله ونقصانه؟ ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض، ويعيا عن القريب الجليل"...
وهكذا في تشقيقات مذهلة وتفريعات غريبة، كساها من رشيق لفظه وناصع أسلوبه وحلو تنسيقه ما يجعلك في متاع من أول الكتب إلى آخره.
والعجيب أنه أملى كتابه وهو مفلوج، ذو شق مائل ولعاب سائل، ومع هذا الحالة من الألم الممض والذهن المكدود تأتي صوره حية نابضة ناطقة لأنه لم يبعثهم من بطون التاريخ بل جاء بهم من بيئته واستمدهم من خلطائه الذي عاشرهم، حتى إنه اعتذر لهم في أول الكتاب اعتذارًا ظريفًا بقول"وهذا كتاب لا أغرك منه، ولا أستر عنك عيبه، لأنه لا يجوز أن يكمل لما تريده، ولا يجوز أن يوفى حقه كما ينبغي له"!
يا ترى ما سبب هذا الاعتذار؟ اسمع الجواب:
"لأن هاهنا أحاديث ليس يتوفر أبدًا حسنها إلا بأن تعرف أهلها، وحتى تتصل بمستحقها، وبمعادنها واللائقين بها. وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط نصف الملحة، وذهاب شطر النادرة"
ثم تكلم بكلام بعيد الغور عن ظاهرة كيف أن الكلام يَنْفَق عند الناس بسبب صاحبه، وإذا أعدت الكلام ورددت النظر فيه لم تجد فيه تلك الرنة وذاك الطعم"ولو أن رجلًا ألزق نادرة بأبي الحارث جمين، والهيثم بن مطهر، وبمزيد، وابن الأحمر، (أناس شهروا بالظرف في عصر الجاحظ) ثم كانت باردة، لجرت على أحسن ما يكون."
ولو ولد نادرة حارة في نفسها، مليحة في معناها، ثم أضافها إلى صالح بن حنين، وإلى ابن النواء، وإلى بعض البغضاء، لعادت باردة، ولصارت فاترة، فإن الفاتر شر من البارد.
(يُتْبَعُ)