فهرس الكتاب

الصفحة 1231 من 8348

(إن الله - جل وعلا - جعل كل واحد منا عبارة عن مخطوطة فريدة في تركيبه العقلي والنفسي. ومع الأيام يتكون لدى كل واحد منا مزاجه ورأيه الخاص في أحداث الحياة، وينفتح وعيه على مصالحه الخاصة. وهذا كله يجعل له في نهاية المطاف شخصيته المستقلة، ويدفعه في اتجاه بناء فضاء خاص يتحصن داخله.

ولهذا، فإن اجتماع الناس بعضهم ببعض كثيرًا ما يكون مظنة للتوترات والمصادمات على ما نشاهده في حياتنا اليومية ..

ومن هنا يمكننا القول: إن اختلافنا يشكل معقد الابتلاء في حراكنا الاجتماعي.

هناك طريقان لا ثالث لهما في التعامل مع الاختلاف والعقابيل الناشئة عنه: طريق التعانف والتشاجر واستخدام القوة ولي الذراع ..

وطريق تحقيق الرغبات والمصالح عن طريق الحوار والتفاوض الذى يحقق نوعًا من الشعور بالرضا للجميع ..

وهذا ما يؤسس له القرآن الكريم في كثير من آياته .. وكلما رقى الانسان في سلم المدنية وجد نفسه منساقًا نحو التفاوض، ووجد نفسه أعظم قدرة على السيطرة على النزعة العدوانية لديه، وأعظم قدرة على إدارة علاقاته مع الناس عن طريق الإحسان والعدل والاحترام، وعن طريق منهج السلم والتواصل الأخوي.

.. ولا شك أن المتتبع للآيات القرآنية، وكذلك الأحاديث النبوية التى تناولت مجادلات الأنبياء - عليهم السلام - مع أممهم يلمس أمرًا مهمًا، هو التأكيد على أن المجادلة بالتي هي أحسن لا ينبغي أن تكون وسيلة لتداول المعرفة وبلورة الأفكار فحسب، و'نما ينبغي أن تكون أسلوبًا في المعايشة وأسلوبًا في التربية والتعليم وفض النزاعات، وحل المشكلات ..

وما أجمل المعنى الذى نجده في قوله - جل وعلا:"فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط، إن إبراهيم لحليم أواه منيب، يا إبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود"هود 74 - 76.

قال المفسرون: حين بعث الله - تعالى - الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم - وقد كان لوط ابن عمه - فما كان من إبراهيم إلا أن قدّم لهم طعامًا، فلم يمدوا أيديهم إليه، فخاف إبراهيم. فقالوا له: لا تخف، إنا أرسلنا إلى قوم لوط. هنا سكن قلب إبراهيم وذهب عنه الخوف، وأخذ يجادل الملائكة في مسألة إنزال العذاب بأولئك القوم، يريد منهم أن يكفوا عنهم، ويروى أنهم لما سمعهم يقولون: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيهم عشرة أو خمسة؟ قالوا: لا.

آنئذ قال إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خيلار فيهم. وقيل: إن إبراهيم قال: إن كان فيها رجل مسلم، أتهلكونها؟ قالوا: لا. قال إبراهيم عند ذلك: إن فيها لوطًا. قالت الملائكة: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين.) ص 47 - 54 بتصرف.

ـ [محمد عبد المجيد] ــــــــ [21 - Feb-2008, مساء 12:10] ـ

(يعلمنا القرآن كيف نحفف من حساسية الآخرين تجاه الجدل ونقد الآراء، وذلك حين يقول - سبحانه:"وقولوا آمنا بما أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون"العنكبوت 46.

أى قولوا لأهل الكتاب: إننا نؤمن بأن الله أنزل عليكم توراة وإنجيلًا كما أنزل علينا القرآن، وإننا نؤمن بمضامين ما أنزل عليكم، كما نؤمن أن ربنا وربكم واحد لا شريك له.

إننا حين نوضح لمن نجادلهم أن هناك أرضية مشتركة تجمعنا، وأن هناك قواسم مشتركة تؤطر العلاقة بيننا نكون قد نزعنا من صدورهم الخوف من التأثيرات السلبية التى يمكن أمن تحل بهم نتيجة المجادلة) ص 55.

(إننا في كثير من الأحيان لا نلقي بالًا للمعلومات الناقصة والمشوهة، ونعتمدها في حواراتنا وفى فهمنا للأشياء، مع أن الجهل بالشىء قد يكون أفضل من امتلاك معارف مشوهة، تعطينا صورًا ذهنية مزورة وبعيدة عن الواقع .. !!

إن الجاهل كثيرًا ما يملك القابلية لأن يتعلم، لكن الذى هيمنت عليه الأفكار والانطباعات الخاطئة والقاصرة، يفقد الكثير من القابلية للتعلم، ويمتلك جرأة على إلقاء الكلام على عواهنه، فيشبع في الناس الجهل عوضًا عن أن يشيع العلم!.) ص 60 - 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت