فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهؤلاء الفرق - من أهل التبديل وأهل التجهيل - مشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة. ولهذا، يجعل كل فريق (المشكل) من نصوصه غير ما يجعل الفريق الآخر (مشكلا) . فمنكر الصفات الخبرية يقول: نصوصها (مشكلة متشابهة) ، لأنها غنده لا يعلم بالعقل؛ بخلاف الصفات المعلومة بالعقل عنده، فإنها عنده محكمة بينة. وكذلك يقول من ينكر العلو والرؤية: نصوص هذه (مشكلة) . ومنكر الصفات مطلقا يجعل ما يثبتها من النصوص (مشكلا) ، دون ما يثبت أسماءه الحسنى. ومنكر الأسماء يجعل نصوصها (مشكلة) . ومنكر معاد الأبدان وما وصفت به الجنة والنار يجعل نصوص ذلك (مشكلا) أيضا. ومنكر القدر يجعل ما يثبت أن الله خالق كل شيء (مشكلا) . ومنكر مشيئة العباد وقدرتهم يجعل نصوص الوعيد بل ونصوص الأمر والنهي (مشكلة) .
وهكذا، فقد يستشكل كل فريق ما لا يستشكله غيره، ثم يقول كل منهم فيما يستشكله:"إن معاني نصوصه لم يبينها الرسول". ثم منهم من يقول:"لم يعلم النبي معانيها أيضا"، ومنهم من يقول:"بل علمها ولم يبنيها، بل أحال في بيانها علي الأدلة العقلية وعلي من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص".
فأهل التجهيل والتضليل شاركوا أهل التحريف والتأويل في أن الرسول لم يبين، أو لم يعلم بل جهل معناها، أو جهلها الأمة من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل الركب. وأما أهل الوهم والتخييل، فيقولون:"بل قصد أن يعلمهم الجهل المركب والاعتقادات الفاسد". وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة بخلاف الأولين الذين قالوا:"الرسول لم يقصد أن يجعل أحدا جاهلا معتقدا للباطل". ولكن أقوال الأولين تتضمن أن الرسول لم يبين الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات والأحاديث - إما مع كونه لم يعلمه، أو مع كونه علمه ولم يبينه.
ولهذا قال الإمام أحمد في (خطبته) فيما صنفه من (الرد علي الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته علي غير تأويله) . قال:"الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل: بقابا من أهل العلم؛ يدعون من ضل إلي الهدى، ويصبرون منهم علي الأذي؛ يحيون بكتاب الله الموتي، ويبصرون بنور الله أهل العمي. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه. فما أحسن أثرهم علي الناس، وأقبح أثر الناس عليهم؛ ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة. فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون علي مفارقة الكتاب؛ يقولون علي الله، وفي الله، وفي كتاب الله، بغير علم؛ يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم. فنعوذ بالله من فتن المضلين". ويروي نحو هذه الخطبة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه كما ذكر ذلك محمد بن وضاح في كتاب (الحوادث والبدع) . فقد وصفوا في هذا الكلام، بأنهم مع اختلافهم في الكتاب: فهم كلهم مخالفون له؛ وهم مشتركون في مفارقته؛ يتكلمون بالكلام المتشابه، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم، حيث لبسوا الحق بالباطل.
وجماع الأمر، أن الأدلة نوعان: شرعية وعقليه. فالمدعون لمعرفة الإلهيات بعقولهم من المنتسبين إلى الحكمة والكلام والعقليات يقول من يخالف نصوص الأنبياء منهم:"إن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفناه"، أو يقولون:"عرفوه ولم يبينوه للخلق كما بيناه، بل تكلموا بما يخالفه من غير بيان منهم". والمدعون للسنة والشريعة واتباع السلف من الجهال بمعاني نصوص الأنبياء يقولون:"إن الأنبياء والسلف الذين اتبعوهم لم يعرفوا معنى هذه النصوص التي قالوها والتي بلغوها عن الله"، أو"إن الأنبياء عرفوا معانيها، ولم يبينوا مرادهم للناس".
(يُتْبَعُ)