فهرس الكتاب

الصفحة 2165 من 8348

وفي أثناء إقامته بالقاهرة حكم الفرنسيون عليه ثانية بالإعدام سنة (1344هـ= 1925م) بعد اشتعال ثورة السوريين على الاحتلال الفرنسي، وكان لهذا النبأ وقع سيئ عليه، فاعتلّت صحته وباع المطبعة، واستجم 3 سنوات بدون عمل، زار خلالها الحجاز مدعوًا من آل سعود الذين آلت إليهم مقاليد الحكم هناك، وتمتّع برعايتهم.

ثم ذهب إلى القدس سنة (1349هـ= 1930م) وأصدر مع زميل له جريدة"الحياة اليومية"، لكن الحكومة الإنجليزية عطلتها، واتفق مع أصدقاء آخرين على إصدار جريدة يومية في يافا، وأعد لها مطبعة، لكن الجريدة لم يصدر منها سوى عدد واحد، وأغلقت أبوابها بسبب التحاقه بالعمل الدبلوماسي في الحكومة السعودية.

في العمل الدبلوماسي

عمل الزركلي سنة (1353 هـ= 1934م) مستشارًا بالوكالة في المفوضية العربية للسعودية بمصر، وكان أحد المندوبين السعوديين في المداولات التي سبقت إنشاء جامعة الدول العربية وفي التوقيع على ميثاقها، ومثّل الحكومة السعودية في عدة مؤتمرات دولية، وانتُدب في سنة (1366هـ= 1946م) لإدارة وزارة الخارجية بجدة متناوبا مع الشيخ يوسف ياسين وزير الخارجية بالنيابة، ثم عين وزيرا مفوضا ومندوبا دائما لدى الجامعة العربية في سنة (1371هـ= 1951م) ، ثم عمل سفيرا للسعودية بالمغرب سنة (1377هـ=1957م) .

أعماله العلمية

لم تشغله أعماله الدبلوماسية عن الكتابة والتأليف وإن كف عن نظم الشعر، ولم تنقطع صلته بزيارة المكتبات ودور الكتب في أماكن مختلفة من العالم، وأثمرت جهوده عن عدة مؤلفات منها:

-ما رأيت وما سمعت، وهو عن رحلته الأولى من دمشق إلى فلسطين فالحجاز، وطُبع سنة 1923م.

-عامان في عمان، تناول فيه مذكراته عن عامين قضاهما في مدينة عمان.

-الملك عبد العزيز في ذمة التاريخ.

-صفحة مجهولة من تاريخ سوريا في العهد الفيصلي.

الأعلام

غير أن أهم إنتاجه هو كتابه الفذ"الأعلام"، وهو يعد من أعظم الكتب العربية التي ظهرت في القرن الرابع عشر الهجري، ترجم فيه لنحو 13435 علما من القديم والجديد، معتمدا على ما يزيد عن ألف وبضع مئات من المصادر والمراجع المطبوعة والخطية، فضلا عن مئات الصحف والدوريات.

ولم يخرج هذا الكتاب مرة واحدة على الصورة التي عليها الآن، بل مر صاحبه برحلة كفاح طويلة استغرقت معظم حياته، فقد بدأ الإعداد في تأليفه في سن مبكرة من حياته وهو لا يزال صغير السن غض الإهاب، ثم صدرت طبعته الأولى في 3 أجزاء سنة (1346هـ= 1927م) ، ثم سكت 30 عاما حتى صدرت طبعته الثانية سنة (1377هـ= 1957م) بعد مراجعة وتنقيح وإضافات، ثم استدرك على هذه الطبعة بأخرى مزيدة ومنقحة، ثم ظهرت الطبعة الرابعة الكاملة بعد وفاته سنة (1396هـ= 1976م) .

والمنهج الذي التزمه لاختيار من يترجم لهم هو"أن يكون لصاحب الترجمة عِلم تشهد به تصانيفه أو خلافة أو ملك أو إمارة أو منصب رفيع كوزارة أو قضاء كان له فيه أثر بارز أو رئاسة مذهب، أو فن تميز به، أو أثر في العمران يذكر له، أو شعر أو مكانة يتردد بها اسمه، أو رواية كثيرة، أو أن يكون أصل نسب أو مضرب مثل".

غير أن هذا النهج لم يلتزمه مع خلفاء الدولة العثمانية وكثير من أمرائها وولاتها، فأعرض عن الترجمة لهم؛ متأثرًا بنزعته القومية العربية وعدم ميله إلى الأتراك، وكان قد عاصر الصراع الذي شب في الشام بين حكّام الأتراك ورعاياهم من العرب، هذا في الوقت الذي عُني فيه بالترجمة لكبار المستشرقين.

وانتهج في كتابه الترتيب الألفبائي وإيراد الترجمة تحت اسم العلم الحقيقي لا تحت اسم شهرته؛ فترجمة المتنبي تحت اسمه (أحمد بن الحسين) لا تحت اسم شهرته، مع الإشارة تحت اسم الشهرة إلى الإحالة إلى موضع الترجمة تسهيلا للبحث، فحين يرد اسم المتنبي في حرف الميم يشير إلى اسمه الحقيقي الذي ترد فيه الترجمة. وحرص المؤلف على أن يلحق بالمترجم صورة له إن كان ذلك موجودًا أو نموذجا من خطه وتوقيعه.

وقد لقي الكتاب حفاوة وإقبالا من القراء والباحثين لأهميته، وتحريره المادة العلمية بدقة، وإرشاده إلى مراجع إضافية للمزيد، مع الدقة والإيجاز، ولم يعد يستغني عنه باحث أو تغفل اقتناءه مكتبة.

الأيام الأخيرة

ظل الزركلي موضع حفاوة وتقدير من المجامع العلمية؛ فانتخب عضوا بالمجمع العلمي العربي بدمشق سنة (1349هـ= 1930م) ، واختير عضوا مراسلا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1366هـ= 1946م) ، وبالمجمع العلمي العراقي سنة (1380 هـ= 1960م) ، وظل بعد خروجه من العمل الدبلوماسي مقيما بالقاهرة التي عاش فيها أغلب حياته، وفي إحدى زياراته إلى دمشق أصابته وعكة صحية ألزمته الفراش بصفة أسابيع، فلما قرب على الشفاء رحل إلى القاهرة للاستجمام، لكن الحياة لم تطل به فوافته المنية على ضفاف النيل في (3 من ذي الحجة 1396هـ = 25 من نوفمبر 1976م) عن 83 سنة.

هوامش ومصادر:

خير الدين الزركلي: الأعلام- دار العلم للملايين- بيروت- 1986م.

سامي الدهاق: الشعراء الأعلام في سوريا- دار الأنوار- بيروت- 1968م.

فضل عفاش: رجالات في أمة- دار المعرفة- دمشق- (1408هـ= 1988م) .

محمود محمد الطناحي: الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم- مكتبة الخانجي- القاهرة- (1406هـ= 1985م) .

أحمد تمام

باحث مصري في التاريخ والتراث.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت