فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قال ابن أبي مليكة (ت 17 هـ) : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، رواه البخاري معلقا في صحيحه كتاب الإيمان (1/ 109) . قال ابن حجر (ت 852 هـ) :"والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلهم عائشة وأختها أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة ... ، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء كعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص. وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك، فكأنه إجماع، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى - رضي الله عنهم -"فتح الباري (1/ 110 و 111) . .
فخوفهم كان من النفاق الأصغر لا الأكبر، لأنه لا يعقل أن يكون النفاق الذي خافه أولئك الصحابة هو إبطان الكفر، فإنهم يعلمون من أنفسهم أنهم لا يبطنون كفرا، وقد زكاهم الله وأثنى عليهم، فهم يعلمون براءتهم من هذا النفاق المخرج من الإسلام، فتعين أن يكون مقصودهم النفاق الأصغر.
المبحث الثالث: خطورة النفاق:
إن أكبر خطر تهددت به الأمة الإسلامية على مر العصور هو النفاق، ولذلك قال الله تعالى: سورة المنافقون الآية 4هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ، والحصر في الآية لبيان أولويتهم في العداوة، ولهذا كان مصيرهم يوم القيامة أسوأ مصير في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم شر من الكفار الصرح، فبلية المؤمنين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين؛ لأنهم لا يظهرون ما يعتقدون، يعملون في الخفاء، ويظهرون لباس الإخوان والأصدقاء فهم مستأمنون لا يحسب لهم حساب ولا يراقبون ولا يحترز منهم إلا القليل من المؤمنين، والعدو المخالط المداخل المساكن أخطر وأشد كيدا من العدو الظاهر البعيد، فهم أخطر من الجيوش العسكرية، والانحرافات الفكرية لأن أصحابها أعداء معروفون واضحون لا يقبل كثير من الناس أقوالهم.
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: رواه أحمد (1/ 22) والفريابي في صفة النفاق ص (52) رقم (23 و 24) وابن حبان في صحيحه (1/ 148) والطبراني في الكبير (18/ 237) قال الهيثمي في الزوائد (1/ 192) : رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح. وذكر نحوه عن البزار وأحمد وأبي يعلى وقال: رجاله موثقون، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 44) رقم (1550) . إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أخطر المصائب في تاريخ الأمة الإسلامية قديما وحديثا عن طريق المنافقين، ولا نكاد نرى عصرا من عصور تاريخ المسلمين إلا ونجد للمنافقين فيه دورا خطيرا، فقد أفسدوا عقائد كثير من الناس، والمتتبع لجذور الانحراف العقدي في تاريخ المسلمين يجد المنافقين وراءه، ومن أبرز الأمثلة في ذلك فرقة السبئية التي وضع أسسها المنافق اليهودي عبد الله بن سبأ، الذي أظهر الإسلام في عهد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وأخذ يطوف البلاد الإسلامية ينشر معتقده، وقد لبس على العامة في زمن كان فيه كثير من الصحابة، حتى إن بعض أتباعه هددهم علي - رضي الله عنه - بالموت حرقا إن لم يرجعوا عن هذه العقيدة الضالة، فأصروا وفضلوا الموت على الرجوع عن ضلالهم، وقد كان من نتيجة فتنة عبد الله بن سبأ مقتل الخليفة الثالث الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
وكان سقوط بغداد مركز الخلافة الإسلامية العباسية عام (656 هـ) على يد المنافق الخبيث ابن العلقمي الرافضي الذي تعاون مع التتار الذين قتلوا جميع من يقدرون عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والشبان حتى بلغوا مليون قتيل، وقد كان ابن العلقمي وزيرا عند الخليفة المستعصم يظهر الولاء والنصرة، له فضل في الإنشاء والأدب لكنه كان منافقا يضمر الحقد على الإسلام وأهله، كاتب التتار وزين لهم اجتياح بغداد، وكان ذلك بعد أن سرح الجند وصرف الجيوش عن بغداد حتى لم يبق منهم إلا عشرة آلاف ثم أرسل إلى التتار يسهل عليهم أمر اجتياح المدينة فقدموا وحدث ما حدث انظر البداية والنهاية لابن كثير (13/ 200 وما بعدها) . .
والأمثلة كثيرة جدا ولهذا كان الواجب التحذير من النفاق، وبيان صفات أهله، وكشف جهودهم في هدم الإسلام وخدمة أعدائه وموالاتهم وتنفيذ مخططاتهم
(يُتْبَعُ)