فمم بعد أن تقرر في نظرنا أن بغداد كانت أعظم مدينة في العالم مدة قرنين أو ثلاثة بالأقل يجب أن نبحث في درجة عظمة بغداد وما كانت سعة رقعتها وما بلغه عدد السكان فيها وذلك بناء على الروايات المختلفة التي ساقها ابن الخطيب في هذا التاريخ الذي إن لم يعرف بغداد حق التعريف فلن يعرفه كتاب آخر.
إننا لا نريد الآن أن نعيد روايات ابن الخطيب التي يمكن القارئ أن يطالعها في الكتاب نفسه. ولم نكن لنتوخى هذا البحث من أجل أن ننقل صفحات من تاريخ بغداد نقلًا. وإنما نريد أن ندقق في روايات ابن الخطيب ونزنها بمعيار العقل ونجتهد في تمييز ما يكون منها مبالغة أو مجازفة ما يمكن أن يكون حقًا، وبعبارة أخرى نريد أن نعرض هذا التاريخ على محك النقد، لا محل النقد الذي أولع به بعضهم من التشكيك في كل شيء ومن الاعتراض على كل شيء لكن محك المعقول السائغ الذي تزعن له أرباب العقول السليمة والمعارف الواسعة. قال ابن الخطيب لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشعوبها ومحالها وأسواقها وسككها وأزقتها ومساجدها وحماماتها وطرزها وخاناتها وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرود ظلالها وأفيائها واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها وزيادة ما حصر من عدد سكانها وأكثر ما كانت عمارةً وأهلًا في أيام الرشيد إذ الدنيا قارة المضاجع دارّة المراضع خصيبة المراتع مورودة المشارع ثم حدثت بها الفتن وتتابعت على أهلها المحن فخرب عمرانها وانتقل قطانها إلا أنها كانت قبل وقتنا والسابق لعصرنا على ما بها من الاختلال والتناقض في جميع الأحوال مباينة لجميع الأمصار ومخالفة لسائر الديار. ثم قال نقلًا عن أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر: أخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد لأبي احمد يعني الموفق بالله عند دخوله مدينة السلام فوجد مائتي حبل وخمسين حبلا وعرضه مائة وخمسة أحبل فتكون ستة وعشرين ألف جريب ومائتين وخمسين جريبًا. ووجد الجانب الغربي طرله مائتان وخمسون حبلا أيضًا وعرضه سبعون حبلًا. يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب. فالجميع من ذلك ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبًا من ذلك مقابر أربعة وسبعون جريبًا انتهى.
فلنعل الآن امتحانًا لهذا التعديل فنقول: المعول كله على معرفة مقدار هذا الجريب لأن الأجربة كسائر المقاييس كانت تختلف. وجاء في تاج العروس أنه يختلف البلدان كالرطل والمد والذراع ونحو ذلك وجاء فيه نقلًا عن قدامة الكاتب أن الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع. وجاء في تاج العروس أن الجريب مكيالل قدره أربعة أقفزة. وجاء في محل آخر أنه عشرة أقفزة لكل قفيز منها عشرة أعشار فالعشير جزء من مائة جزء من الجريب وهذه هي أيضًا عبارة لسان العرب. وأما الفقير فيقول في تاج العروس أنه مكيال معروف زهو ثمانية مكاكيك عند أهل العراق ومن الأرض قدر مائة وأربع وأربعين ذراع. ووجدت في بعض الكتب أن الجريب عشرة آلاف ذراع. ولكني أرى إذا جعلنا الجريب المقصود هنا عشرة آلاف ذراع وضربنا به الثلاثة والأربعين ألفًا والسبعمائة والخمسين جريبًا التي هي مساحة بغداد في ذلك الوقت بحسب تاريخ ابن الخطيب بلغ ذلك مبالغ غير معقولة إذ إن كان الجريب عشرة آلاف ذراع تكون المساحة ثلاثة وأربعين مليونًا وسبعمائة وخمسين ألف ذراع مربع وهذا بعيد جدًا هن العقل. فلذلك أخترنا التقويم الآخر وهو أن يكون القفيز مائة وأربعة وأربعين ذراعًا في تاج العروس والجريب عشرة أقفزة فيكون ألف وأربعمائة وأربعين ذراعًا. فإذا ضربنا ثلاثة وأربعين ألفًا وسبعمائة وخمسين جريبًا بألف وأربعمائة وأربعين ذراعًا جاء ثلاثة وستون مليون ذراع مربع. فإذا أخرجنا ثلثها من أجل تكسير هذه المساحة على المتر بقي معنا اثنان وأربعون مليون متر مربع وهي مساحة تعادل ثمانية آلاف فدان بحيث يكون طول بغداد من ستة إلى سبعة كيلو مترات وعرضها من ستة إلى سبعة كيلو مترات أيضًا فهذا معقول وسائغ بل يجوز أن تكون رقعتها أوسع من هذا المقدار ذلك العقل، ولكن إن جعلنا الجريب عشرة آلاف ذراع مربع بل جعلناه ثلاثة آلاف وستمائة ذراع كان ذلك بعيد جدًا عن العقل.
(يُتْبَعُ)