فهرس الكتاب

الصفحة 3656 من 8348

ولايُتهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنه مأمور على النظر لهم في حياته، فأحرى أن لا يحتمل فيها تبعته بعد مماته، خلافًا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص التهم في الولد دون الوالد.

فإنه بعيد عن الظن في ذلك كله، لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة، أو توقع مفسدة، فتنتفي الظنة عند ذلك رأسًا، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب.

قال ابن بطال:"وعقد الخلافة من الإمام المتولي لغيره بعده جائز على عامة المسلمين لإطباق الصحابة ومن معهم على العمل بما عهده أبو بكر لعمر، وكذا لم يختلفوا في قبول عهد عمر إلى الستة: وهو شبيه بإيصاء الرجل على ولده لكون نظره فيما يصلح أتم من غيره فكذلك الإمام"

لقد كان ابن عباس يشهد ليزيد بالفضيلة، وبايعه، وكذلك بايعه ابن عمر، ولم يبق إلا الحسين بن علي الذي كان رضي الله عنه يغرر به أهل الفتن في حياة معاوية، ونهاه الحسن عنهم، وعزم على الذهاب لهم بعد وفاة معاوية، وقد حذره الصحابة ونهوه عن ذلك فأبى عليهم وحدث ما حدث.

أما ابن الزبير رضي الله عنه عنه فكان معاوية يحذره من تصرفاته، ثم تمنى أخيرًا بعد الحصار أن معاوية حيًا فيخلصه مما هو فيه، وندور المخالف معروف.

معاوية رضي الله عنه وولاية المفضول مع وجود الفاضل.

لقد عدل معاوية عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء، الذي شأنه أهم عند الشارع، ولا يظن بمعاوية غير هذا؛ فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك.

لقد كان النجباء من أبناء الصحابة كثير، منهم: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير والحسين بن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، ولم يكن أبناء الصحابة فيما بينهم يجمعون على شخصية واحدة، فهذا ابن عباس لم يبايع ابن الزبير بعد وفاة يزيد بن معاوية ومبايعة كثير من الأقطار له. بل كان يوجه إليه الانتقادات ويلومه في بعض أعماله.

وكذلك محمد بن الحنفية، وابن عمر لم يبايعا ابن الزبير، إذًا فمن الذي يضمن تراضي جميع الأطراف على شخصية واحدة؟!

لقد اشترط الفقهاء شروطًا عديدة فيمن يصلح للإمامة من ضمنها القرشية، والاجتهاد، والعدالة، والعلم والقوة، والسياسة، والحنكة، وحسن التدبير وغيرها.

ويروى عن الإمام أحمد إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل.

والذي يظهر من سيرة عمر في عمّاله الذين كان يؤمرهم في البلاد، أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فلأجل هذا استخلف عمرًا ومعاوية والمغيرة بن شعبة، مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم، كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة.

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إني لأبعث الرجل وأدع من هو أحب إلي منه، ولكن لعله يكون أيقظ عينًا وأشد بأسًا أو قال مكيدة".

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب مع أنه أحيانًا يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو ذر أصلح منه في الأمانة، والصدق، ومع ذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحبُ لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم".

فنهى أبا ذر عن الإمارة والولاية لأنه يراه ضعيفًا.

وكذلك استعمل أبو بكر خالد بن الوليد، مع أنه يرى منه هفوات، ولم يعزله من أجلها، بل ذلك لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه.

ونزع شرحبيل بن حسنة وقال:"تحرجنا من الله أن نقرك وقد رأينا من هو أقوى منك".

وعن ثابت مولى سفيان قال: سمعت معاوية وهو يقول:"إني لست بخيركم وإن فيكم من هو خير مني: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما من الأفاضل، ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم وأعلمكم ولاية، وأحسنكم خلفًا".

فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فيقدم في إمارة الحرب، الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور، على الرجل الضعيف، وإن كان أمينًا. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها.

"سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغزى مع القوي الفاجر".

ومعظم المقصود من نصب الأئمة حياطة المسلمين، ودفع عدوهم، والأخذ على يد ظالمهم، وإنصاف مظلومهم وتأمين سبلهم، وتفريق بيت مالهم فيهم، على ما أوجبه الشرع، فمن كان ناهضًا بهذه الأمور ونحوها فبه يحصل مقصود الإمامة، وينتفع الناس بولايته، ويشملهم الأمن والدعة، ويطيب عيشهم، ويأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم، وحرمهم، وإن كان غيره أكثر علمًا منه، أو أوسع عبادة، أو أعظم ورعًا؛ فإنه إذا كان غير ناهض بالقيام بهذه الأمور، فلا يعود على المسلمين من علمه أو ورعه وعبادته فائدة، ولا ينفعهم كونه مريدًا للصلاح وإجراء الأمور مجاريها الشرعية مع عجزه عن ذلك وعدم قدرته على إنفاذه.

وقال الجويني:"والذي صار إليه معظم أهل السنة أن يتعين للإمامة أفضل أهل العصر إلا أن يكون في نصبه هرج وهيجان فتن، فيجوز نصب المفضول، إذا كان مستحقًا للإمامة، كيف ولو تقدم المفضول في إمامة الصلاة لصحت الإمامة".

وهكذا يتضح لنا من خلال النصوص السابقة أن ولاية المفضول ثابتة وجائزة شرعًا.

ويزيد بن معاوية لا شك أنه مفضول وليس بالأفضل مع وجود كبار الصحابة وأبنائهم رضي الله عنهم، ولكن هناك بعض الأسباب التي حاولنا مناقشتها والتي ظهرت لنا من عزم معاوية على تولية يزيد، وأيضًا هناك بعض الأمور التي قد تخفى علينا والتي من أجلها أكد معاوية بيعة يزيد". انتهى. وتُنظر - أيضًا: رسالة"العالم الإسلامي في العصر الأموي"للدكتور عبدالشافي محمد عبداللطيف، ص 129 - 134. ا. هـ"

المصدر: منتدى الكاشف.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت