فهرس الكتاب

الصفحة 4213 من 8348

بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ» أيْ: لا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أعْمَالِكِم شَيء، وسَيُجَازِيْكُم عَلَيْهَا فَفِيْهِ تَرْغِيْبٌ لِسُلُوكِ الاسْتِقَامَةِ وتَرْهِيبٌ مِنْ ضِدِّهَا ... أ. هـ مِنْ «تَيْسِيْرِ الكَرِيْمِ المَنَّانِ» صَ (391) .

فَمَهْمَا عَمِلَ الشَّخْصُ واجْتَهَدَ إذَا لَم يَكُنْ ذَلِكَ وُفْقَ الَشَّرْعِ وإلَّا فَإنَّ عَمَلَهُ مَرْدُوْدٌ عَلَيْهِ كَمَا جَاءَ في الصَّحِيْحَيْنِ (خَ 2697، ومُسْلِمٌ 1718) ، مِنْ طَرِيْقِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيْمَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، وهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.

وتَأْكِيْدًا لِهَذَا الأَمْرِ وتَوْضِيْحًا لأهَمِّيَّتِهِ كَانَ رَسُوْلُ الله صَلَّىَ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْتَتِحُ خُطَبَهُ بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٍ (867) ، وأَحْمَدُ (14984) ، واللَّفْظُ لَهُ مِنْ طَرِيْقِ وكِيْعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيْهِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الله صَلَّىَ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُوْمُ فَيَخْطُبُ فَيَحْمَدُ الله ويُثْنِيَ عَلَيْهِ بِمَا هُو أهْلُهُ ويَقُوْلُ: «مِنْ يَهْدِيْهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إنَّ خَيْرَ الحَدِيْثِ كِتَابُ الله، وخَيْرَ الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وشَرَِ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، ولِهَذَا قَالَ تَعَالى: «إنَّ أرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ومُبَشِّرا و نَذِيرا. ودَاعِيًا إلى الله بِإِذْنِهِ وسِرَاجًا مُّنِيْرًا» (الأحْزَابُ: 45 ـ 46) . فَهُوَ دَاعِي إلى الله بِإذْنِ الله لا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.

وكَمَا قَالَ تَعَالى: «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (يوسف: 108) ، فَطَرِيْقَةُ الرَّسُوْلِ صَلَّىَ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ الدَّعْوةُ إلى الله على عِلْمٍ مِنْهُ عَزَّ وجَلَّ بِمَا أوْحَاهُ إلَيْهِ.

ومِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الآي قَوْلُهُ تَعَالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» (الشورى: 13ـ 15) ، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ الله تَعَالى أنَّهُ شَرَعَ لِعِبَادِهِ مِنَ الدِّيْنِ مَا وصَّى بِهِ أوْلُوْا العَزْمِ مِنَ رُّسُلِهِ، وهُو تَوْحِيْدُهُ وإفْرَادُهُ بِالعِبَادَةِ، والاجْتِمَاعُ على ذَلِكَ وتَرْكُ التَّفَرُّقِ الَّذِي هُو دِيْنُ المُشْرِكِيْنَ، أمْرَ نَبِيَّهُ صَلَّىَ الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ لِهَذَا الدِّيْنِ القَوِيمِ والصِّرَاطِ المُسْتَقِيْمِ الَّذِيْ أنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وأَرْسَلَ رُسُلَهُ، وأَنْ يَسْتَقِيْمَ على ذَلِكَ اسْتِقَامَةً لَا تَفْرِيْطَ فِيْهَا ولا إفْرَاط، بَلْ مُوَافَقَةٌ لِأَمْرِهِ تَعَالى، وبِهَذَا يَبْتَعِدُ عَنْ دِيَنِ المُشْرِكِيْنَ وأَهْوائِهِم، ومِثْلُ هَذَا المَعْنَى مَا جَاءَ في قَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِ عَدَدٍ مِنَ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِم الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت