فهرس الكتاب

الصفحة 4223 من 8348

ومَثَلُ مَوْقِفِهِ هَذَا عِنْدَمَا أمْرَ بإنْفَاذِ جَيْشِ أسَامَةَ، وقَدْ ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ عِنَدَمَا تُوُفيَ رَسُوْلُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَعَ هَذَا كُلِّهِ أمْرَ بإنَفَاذِ جَيْشَ أسَامَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ.

قَالَ أبُو الفِدَاءِ ابْنُ كَثِيْرٍ: «والمَقْصُوْدُ أنَّهُ لَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الأمُوْرُ أشَارَ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ على الصِّدِّيقِ أنْ لا يُنْفِذَ جَيْشَ أسَامَةَ لاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ فِيْمَا هُوَ أهُمُّ الآنَ مِمَّا جُهِّزَ بِسَبَبِهِ حَالَ السَّلَامَةِ، وكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أشَارَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَامْتَنَعَ الصِّدِّيقُ مِنْ ذَلِكَ وأبَى أشَدَّ الإبَاءِ إلَّا أنْ يُنْفِذَ جَيْشَ أسَامَةَ، وقَالَ: والله لا أُحِلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُوْلُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّم ... » أ. هِـ. مِنَ «البَدَايَةِ والنِّهَايَةِ» (9/ 421) .

وقَدْ بَنَى المُؤَلِّفُ وَفَّقَهُ الله تَعَالى كِتَابَهُ على هَذَا الأمْرِ: وهُوَ التِزَامُ الكِتَابِ والسُّنَّةِ في كُلِّ أمْرٍ، ومُحَاكَمَةُ كُلِّ شَيءٍ إلَيْهِمَا فَانْتَقَدَ بَعْضَ المُصْطَلَحَاتِ والمَنَاهِجِ والجَمَاعَاتِ.

وتَكَلَّمَ أيْضًا على مُصْطَلَحِ (التَّرْبِيَةِ) ، و (الفِكْرِ التَّرْبَوِي) ، ومَا بُنِيَ على ذَلِكَ مِنْ مِنَاهِجَ وقَواعِدَ، ومَا وقَعَ فِيْهِ مِنْ مُبَالَغَةٍ!

قَالَ المُؤَلِّفُ وَفَّقَهُ الله: «إنَّنِي تَتَبَّعْتُ أسْمَاءَ (الفِكْرِ التَّرْبَوِي) ومُشْتَقَّاتِهَا ومَا حَامَ في فَلَكِهَا مَنْطُوقًا ومَفْهُومًا وعُنْوانًا ومَضْمُونًا مَا بَيْنَ كِتَابٍ وكُتَيِّبٍ ورِسَالَةٍ ومُحَاضَرَةٍ ونَدْوَةٍ ومَقَالٍ؛ فَوَجَدْتُهَا تَزِيْدُ على خَمْسَةِ آلَافِ، وهِي لَم تَزَلْ في مَزِيْدٍ فَهَذَا يَحْمِلُنَا إلى مُحَاسَبَةِ ومُرَاجَعَةِ (الفِكْرِ التَّرْبَوِي) في بِدَايَتِهِ وطَرَائِقِهِ وتَسَلُّلِهِ، وكَذَا مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ أخْطَاءَ دَعْوِيَّةٍ وأحْزَابٍ فِكْرِيَّةٍ» !

قُلْتُ: ومِنْ مَفَاسِدِ هَذِه الظَّاهِرَةِ: أوَّلًا: اسْتِبْدَالُ العِلْمِ الشَّرْعِي بِالعِلْمِ التَّرْبَوِيِ، وجَعْلُ المُفَكِّرَ بَدَلَ العَالمِ، وجَعْلُ بَدَلَ التَّفَقُّهِ بِالكِتَابِ والسُّنَّةِ ودِرَاسَةِ الكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ دِرَاسَةَ الكُتُبِ التَّرْبَوِيَّةِ، ولا تَخْفَى الخُطُورَةُ البَالِغَةُ الَّتِي تَنْتُجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وآثَارُهُ المُدَمِّرَةُ على الأمَّةِ كُلِّهَا.

ومَنِ المَعْلُوْمِ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الكُتُبِ هِي كُتُبٌ هَزِيْلَةٌ لَا تُسْمِنُ ولَا تُغْنِي مِنْ جُوْعٍ.

ثَانِيًا: أنَّ مَا يُسَمَّى بِالفِكْرِ التَّرْبَوِي بَعْضُهُ أوْ كَثِيْرٌ مِنْهُ مَبْنِيٌّ على التَّجَارُبِ، ولَا يَخْفَى أنَّ مَا كَانَ كَذَالِكَ لا يَجُوْزُ تَعْمِيْمُهُ وتَطْبِيْقُهُ على الأمَّةِ، ويَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ التَّجَارُبِ والأفْكَارِ مَنْهَجًا يَسِيْرُوْنَ عَلَيْهِ، وتَقَدَّمَ لَنَا فِيْمَا سَبَقَ أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أمَرَ بِاتِّبَاعِ شَرْعِهِ، وبِالاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ، وتَرَكِ مَا سِواهُ، ولَا يُمْكِنُ الأمْرُ بِذَلِكَ إلَّا وقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا الطَّرِيْقُ الَّذِي يُتَّبَعُ، ولِذَا قَالَ تَعَالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُم في رَسُوْلِ الله أسْوةٌ حَسَنَةٌ» (الأحزاب: 21) . وقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: «عَلَيْكُم بِسُنَّتِي ... » .

فَمَا بَقِيَ عَلَيْنَا إلَّا أنْ نَسِيْرَ وِفْقَ هَدْيِهِ، وأنْ نَسْلُكَ طَرِيْقَتَهُ، وقَدْ ذَمَّ الصَّحَابَةُ والسَّلَفُ الصَّالِحُ الرَّأيَ المُجَرَّدَ، والتَّوسَّعَ في القِيَاسِ، فَفي صَحِيْحِ البُخَارِي كِتَابِ المَغَازِي بَابِ: غَزْوةُ الحُدَيْبَةِ مِنْ طَرِيْقِ أبي وَائِلٍ قَالَ لمَّا قَدِمَ سَهْلُ ابْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّيْنَ أتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ قَالَ فَقَالَ: اتَّهِمُوْا الرَّأيَ على الدِّيْنِ فَلَقَدْ رَأيْتُنِي يَوْمَ أبي جَنْدَلٍ لَوْ أسْتَطِيَعُ أنْ أرُدَّ على رَسُوْلِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمَرَهُ لَرَدَدْتُهُ، والله ورَسُوْلُهُ أعْلَمُ.

وفي سُنَنِ أبِيْ دَاوُدَ في الطَّهَارَةِ بَابِ: كَيْفَ المَسْحُ مِنْ حَدِيْثِ أبِيْ إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّيْنُ بِالرَّأي لَكَانَ بَاطِنُ الخُفَّيْنِ أحَقَّ بِالمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا، ولَكِنْ رَأيْتُ رَسُوْلَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَمْسَحُ على ظَاهِرِهِمَا» .

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (المَدْخَلِ) (220) مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ سِيْرِيْنَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُوْلُ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ على الطَّرِيْقِ مَا اتَّبَعُوا الأثَرَ» ، وأخْرَجَ أيْضًا (222) مِنْ طَرِيْقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوةَ عَنْ أبِيْهِ قَالَ: «لَم يَزَلْ أمْرُ بَنِي إسْرَائِيْلَ مُعْتَدِلًا حَتَّى ظَهَرَ فِيْهِم المُولَّدُونَ أبْنَاءُ سَبَايَا الأمَمِ، فَقَالُوا فِيْهِم الرَّأْيَ فَضَلُّوْا وأضَلُّوْا» .

ومَسْألَةُ تَنشِئَةِ الأجْيَالِ وتَرْبِيَةِ الأوْلادِ مِنَ الدِّيْنِ، فَهِي لَيْسَتْ دُنْيَوِيَّةً أوْ مِنَ العُلُومِ التَجْرِيْبِيَّةِ كَالطِّبِّ فَيُؤْخَذَ فِيْهَا بِالتَّجَارُبِ أوْ مِنَ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ البَحْتَةِ كَالرِّيَاضِيَّاتِ فَيَأْخُذَ فِيْهَا بِالعَقِلِ المُجَرَّدِ، وإنَّمَا يُؤْخَذُ بِهَا بِالاتِّبَاعِ!

وقَدْ بَيَّنَ المُؤَلِّفُ وَفَّقَهُ الله ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَأفَادَ وأجَادَ وأتَى بِالمُرَادِ، فَجَزَاهُ الله تَعَالى خَيْرًا.

وكَتبَهُ

عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ألُ سَعْدٍ

(15/ 4/1431هـ)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت