فهرس الكتاب

الصفحة 5874 من 8348

أبي ثور الكلبي ولي عشرون سنة. وقال أحمد بن عطاء: كان الجنيد يفتي في حلقة أبي ثور. عن الجنيد قال: ما أخرج الله إلى الأرض علمًا وجعل للخلق إليه سبيلًا، إلا وقد جعل لي فيه حظًا. وقيل: إنه كان في سوقه وورده كل يوم ثلاث مئة ركعة، وكذا كذا ألف تسبيحة. أبو نعيم حدثنا علي بن هارون وآخر قالا: سمعنا الجنيد غير مرة يقول: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث، ولم يتفقه. قال عبد الواحد بن علوان: سمعت الجنيد يقول: علمنا - يعني التصوف - مشبك بحديث رسول الله. وعن أبي العباس بن سريج: أنه تكلم يومًا فعجبوا! فقال: ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد. وعن أبي القاسم الكعبي أنه قال مرة: رأيت لكم شيخًا ببغداد، يقال له الجنيد، م رأت عيناي مثله! كان الكتبة - يعني البلغاء - يحضرونه لألفاظه، والفلاسفة يحضرونه لدقة معانيه، والمتكلمون يحضرونه لزمام علمه، وكلامه بائن عن فهمهم وعلمهم. قال الخلدي: لم نر في شيوخنا من اجتمع له علمٌ وحال غير الجنيد. كانت له حالٌ خطيرة، وعلمٌ غزير، إذا رأيت حاله رجحته على علمه، وإذا تكلم رجحت علمه على حاله. أبو سهل الصعلوكي: سمعت أبا محمد المرتعش يقول: قال الجنيد: كنت بين يدي السري ألعب وأنا ابن سبع سنين، فتكلموا في الشكر، فقال: يا غلام ما الشكر؟ قلت: أن لا يعصى الله بنعمه، فقال: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك. قال الجنيد: فلا أزال أبكي على قوله. السلمي حدثنا جدّي ابن نجيد قال: كان الجنيد يفتح حانوته ويدخل، فيسبل الستر ويصلي أربع مئة ركعة. وعنه قال: أعلى الكبر أن ترى نفسك، وأدناه أن تخطر ببالك - يعني نفسك. أبو جعفر الفرغاني: سمعت الجنيد يقول: أقل ما في الكلام هيبة الرب جل جلاله من القلب، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان. قيل: كان نقش خاتم الجنيد: إن كنت تأملُه فلا تأمنه. وعنه: من خالفت إشارته معاملته، فهو مدّع كذاب. وعنه: سألت الله أن لا يعذبني بكلامي وربما وقع في نفسي: أن زعيم القوم أرذلهم. وعنه: أعطي أهل بغداد الشطح والعبارة وأهل خراسان القلب والسخاء، وأهل البصرة الزهد والقناعة، وأهل الشام الحلم والسلامة، وأهل الحجاز الصبر والإنابة.

قال أبو محمد الجريري: سمعت الجنيد يقول: ما أخذنا التصوف عن القال والقيل، بل عن الجوع، وترك الدنيان وقطع المألوفات. هذا حسن، ومراده: قطع أكثر المألوفات، وتركُ فضول الدنيا، وجوع بلا إفراط. أما من بالغ في الجوع كما يفعله الرهبان، ورفض سائر الدنيا، ومألوفات النفس، من الغذاء والنَّومِ والأهل، فقد عرّض نفسه لبلاء عريض، وربما خولط في عقله، وفاته بذلك كثير من الحنيفيّة السمحة، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، والسعادة في متابعة السنن، فزن الأمور بالعدل، وصم وأفطر، ونم وقم، والزم الورع في القوت، وارض بما قسم الله لك، واصمت إلا من خير، فرحمة الله على الجنيد، وأين مثل الجنيد في علمه وحاله؟. قال ابن نجيد: ثلاثة لا رابع لهم، الجنيد ببغداد، وأبو عثمان بنيسابور، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام).

فالمطلع لكتب شيخ الإسلام أبي العباس يجد أنه أثنى على الجنيد، وأبي سليمان الداراني، و سهل بن عبدالله التستري، و بشر الحافي، ويرى أن الخلاج و ابن عربي و من سار على نهجهما قد خالفوا طريق هؤلاء الأئمة.

فيما يلي طائفة من أقوال ابن تيمية:

(قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوةً إلا بالله. فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء. فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ـ رضي الله عنه ـ سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعلميا وتأديبا وتقويما ـ وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة؛ لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا. فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالًا ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه)

(والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال. وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك؛ وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى)

(ولهذا كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة إمام هدى)

(فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم) .

أَبَعْدَ أن قال شيخُ الإسلام كلَّ هذا المديح و وصفِه إيّاه و أمثالَه بأنهم أئمةُ هدىً نجد من لا يزال يدندن على تجريح الأفاضل من خيرة علماء الأمة؟!.

أخاف أن يصدق في هؤلاء قولُ الذّهبي في الموقظة: وهو مقامٌ خَطِر، إذ القادِحُ في مُحِقَّ الصُّوفية، داخلٌ في حديث

من عادَى لي وَلِيًّا فقد بارَزَني بالمُحارَبة.

لو رجم النجم جميع الورى * لم يصل الرجم إلى النجم

و الحق أنّ أولياء الله هم المؤمنون المتقون، سواء سمّي أحدهم فقيرًا أو صوفيًا أو فقيهًا أو عالمًا أو تاجرًا أو جنديًا أو صانعًا أو أميرًا أو حاكمًا أو غير ذلك كما قال شيخ الإسلام و وفقا للقاعدة المعروفة (العبرة بالمسميات لا بالأسماء) أو (العبرة بالمسميات والمضامين، لا بالأسماء والعناوين)

رحم الله شيخ الإسلام كم كان منصفا و عادلا فأين مثله في علومه وفضائله و ورعه

للاستزادة راجع: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ترجم له في عشر صفحات ليس فيها إلا مناقبه

و وفيات الأعيان لابن خلكان

و العبر للذهبي

و شذرات الذهب

و مرءات الجنان

و تاريخ الإسلام للذهبي

و حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم

و الطبقات الكبرى لابن السبكي

و طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى

و الأنساب للسمعاني

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت