وقال بعضهم: كل ما كان وسيطًا للتبادل مهما كان ذلك الشيء.
وهذا تعريف النقد أقرب من تعريف العملة الورقية.
ثم إن هذا التعريف ترد عليه احتمالات، ومنها:
هل يجوز أن يكون الوسيط محرمًا؟ لأنه عمم ولم يخصص هذا الوسيط، فقد يكون الوسيط محرم شرعًا، كالخمر، وفي بعض مقاطعات روسيا يكون التعامل من الدولة وبين الناس بعدد من الزجاجات، وذلك لفقر الدولة، وعدم وجود المال، فالتعميم هنا لا يصح.
وقال بعضهم: ما اتخذه الناس ثمنًا من المعادن المضروبة أو الأوراق المطبوعة، التي تصدرها الدولة.
وهذا تعريف للنقد أقرب إليه من تعريف العملات الورقية، فلا يبين حقيقة هذه العملات، ويرد عليه ما ورد على الذي قبله، والنقد في اللغة كما عند أئمة هذا الشأن: التمييز، ويستعمل بمعنى التعجيل، فيقال: دفع لي مالي نقدًا، أي حالًا معجلًا ولم يؤخرني.
ولم تعرف العرب هذا الاصطلاح، وإنما هو اصطلاح حادث اضطر إلى وضعه الفقهاء المعاصرين بعد فشو هذه العملات.
إلا أن هناك من قال: أن النقود هي مستودع للقيمة التي أودعت فيها، سواء كانت ذهبًا، أم فضة، أم معدنًا، أم ورقًا (فضة) ، أم غيرها.
فهذا التعريف كذلك للنقد أقرب، وهو سليم إلا من هذه الألفاظ وما فيها من معنى: (أم معدنًا، أم غيرها) ، فلو قيد ذلك بالذهب والفضة لسلم التعريف والتبيين، وكذلك لو أثبت حق الحامل لها استبدال هذه الأوراق بالذهب أو الفضة لكان صحيحًا.
ثانيًا: أنواع العملات الورقية:
أنواع العملات الورقية باعتبار مراحل ظهورها هي ثلاثة لا رابع لها:
النوع الأول: نقد البديل (النائب) .
والنقد البديل أو النائب هو: أن يكون عند الدولة قدرًا من الذهب أو الفضة في (البنك المركزي) ، فتريد طبع عملات ورقية، فتقوم بحصر الذهب الذي عندها، ثم قسمته على مجموع العملات الورقية التي طبعتها، فيظهر لنا هنا قيمة كل عملة، وما فيها من وزن للذهب، فأصبحت العملات البديلة والنائبة بديلًا في التعامل عن الذهب، وفي ذلك أمان وتيسير على الناس لا شك فيه.
النوع الثاني: نقد الثقة.
نقد الثقة هو: طباعة الدولة لعملات ورقية بلا غطاء من الذهب أو الفضة، وذلك بعد أن تطبع النقد البديل المغطى بالذهب، قد تحتاج الدولة لزيادة عملاتها، فتطبعها بلا غطاء، على أن تزيد من مخزونها الذهبي ليغطي هذه العملات الجديدة، فباعتبار أن الدولة موثوق بها وباقتصادها ويغلب على الظن حصولها على الأموال، فستتمكن من زيادة الذهب ليغطي زيادة العملات، إلا أن هذا الإصدار يلحقه أمور لا بد منها:
الأمر الأول: أن الزيادة في طبع العملات بلا زيادة في قدر الذهب يؤثر على قيمة العملة، فكلما زدت في عدد الأوراق الغير مغطاة، كلما هبطت قيمة العملة.
الأمر الثاني: قبول هذه العملات رغم عدم الزيادة في الذهب مبني على الثقة بالدولة واقتصادها، فلا تعلق لهذا النقد بحقيقة قوة الدولة بحسب مخزونها الذهبي.
الأمر الثالث: إن إصدار نقد الثقة إما أن يوجب إعادة توزيع وتقسيم الذهب على عدد الأوراق الجديد (القديم والجديد) ، لذلك تضعف قيمة العملة، وإما أن يوجب ذلك عدم إعادة التوزيع والقسمة؛ إما للحفاظ على قوة العملة، وإما أن الغطاء الذهبي قد زال، أو باعته الدولة، كروسيًا مثلًا حين باعت مخزونها الذهبي، فتكون الزيادة لا محل لها لإعادة التقسيم، وإنما يعتمد ذلك على قوة اقتصاد الدولة أو قوة عسكرية وسياسية ونحوها مما هو ليس بذهب ولا فضة، لذلك حين ضعفت روسيًا صارت عملتها غير مقبولة في الأسواق الدولية، وإنما صارت عملة يتعامل الناس بها في روسيًا فقط بإجبار من الدولة، فالدولة تفرض على الشعب أن قيمة كذا هي كذا، وفي الحقيقة لا قيمة لهذا الورق.
الأمر الرابع: أن إصدار نقد الثقة يوجب أن يكون الحامل لهذه الأوراق الحق في استبدال الورق بالذهب، باعتبار أنهم زادوا العملات في مقابل زيادة في الذهب متوقعة وثق الناس بها، إلا أن هذا النقد أدى إلى عدم استحقاق الحامل للعملات الورقية الحق في استبدال هذه العملة بالذهب أو الفضة عند الدولة؛ لأنها إما أنها باعت مخزونها كله، فلا استبدال، وإما أنها باعت بعضه، ولا تستطيع أن تفرط بهذه البقية، ولو جاء الناس كلهم أو أكثرهم يريدون الاستبدال لانتهى كل الذهب الذي عندها، لذلك منعت الدول من استبدال الورق بالذهب.
(يُتْبَعُ)