فهرس الكتاب

الصفحة 779 من 8348

حقُّها وقد رَضِيت به، وحقُّ الله وهو وقوع الطلاق، فلا سبيل إلى إسقاط وإلغاء هذا التعليق، والله أعلم.

أمَّا السؤال الثاني: وهو المعاملة بالنوط، وهي الأوراق التي صارت الآن هي قيم الأشياء، فقد كنتُ ألَّفتُ فيها رسالةً، وذكرتُ الأقوال الثلاثة فيها لعلماء الوقت:

[أ] قول من يمنع المعاملة بها بناءً على أنَّها مثل بيع الديون في الذمم، وهذا قولٌ لا يمكن العمل به بوجهٍ من الوجوه.

[ب] وقول من قال أنَّ حكم الأنواط حكم ما جعلت عنه من النقود، فنوط الرُّبِيَّة بمنزلة الرُّبِيَّة، ونوطُ الجنيه ونوط الدينار بمنزلة الذهب بناءً على أنَّها قائمةُ مقام النقود فيُعطى حكمها.

[جـ] والقول الثالث الذي رجَّحناه أنَّها لا تعطى أحكام النقود [من كلِّ وجه] ، إنَّما حُكِم بالربا بالفضل والنسيئة بالذهب والفضَّة وهذه ليست كذلك [من جهة ربا الفضل] ، وقد ذكرتُ لهذا القول الذي رجَّحتُه، - وأنَّ الأنواط ليست بمنزلة الصكوك والديون، ولا بمنزلة النقود: الذهب والفضَّة - عدَّةَ مآخذَ، منها:

(أَ) أنَّ الأصل في جميع المعاملات الحِلُّ، فلا يحرُمُ منها إلاَّ ما حرَّمه الله ورسوله بنصٍّ أو ما في حكم النص، وبيع الأنواط بعضها ببعض أو بيعها بنقود داخلٌ في هذا الأصل وهو الجواز، سواءً كان بمثله أو بزيادة أو نقص.

(ب) ومنها أنَّ النصوص الشرعيَّة إنما وردت في الذهب والفضة، وذلك عامٌّ لها في أحوالها، سواءً كانت مضروبةً أو كانت حُلِيًّا، أو كانت تبرًا، فكلُّها تدلُّ النصوص الشرعيَّة على جريان ربا الفضل وربا النسيئة فيها بشروطها المعروفة، وأمَّا أوراق النوط فلا تدخل في هذه النصوص.

فإذا لم تكن بنفسها لا ذهبًا ولا فضَّةً كيف تدخلُ في مثل قوله ?: (الذهب بالذهب مثلًا بمثل وزنًا بوزن والفضَّة بالفضَّة مثلًا بمثل وزنًا بوزن .... الخ) الحديث وما في معناه؟، فكونُها غير ذهب ولا فضَّة لا بأس بيع بعضها ببعض متماثلًا ومتفاضلًا، ولا بأس بالتحويل فيها أو عليها، ونهاية الأمر أن تكون بِمنزلة الفلوس المعدنيَّة التي لا يجري فيها ربا الفضل على الصحيح، هذا نهاية الأمر، وإنَّما الممنوع فيها أن يعامل فيها معاملة نسيئة إلى أجل، بأن يبيعَهُ عشرَ أوراقٍ باثني عشر مثلًا إلى مدَّةِ سنة أو نحوها.

(جـ) ومنها أنَّ من مآخذ جواز بيع الأنواط أنَّ الذين أجرَوها مجرى الذهب والفضة فإنَّما ذلك بالقياس منهم، وهو قياسٌ مختلٌّ لم تتمَّ شروطه، فإن قالوا أنَّها تجري مجرَى ما وضعت عليه من نوط ربيَّة أو نوط دينار أو جنيه، ويعبَّر عنها بالرُبية والدينار والجنيه، هذا معتمد من منع التعامل بها إلاَّ متماثلة، ووجه اختلال هذا القياس: أنَّ القياسَ شرطَه: مساواةُ فرعٍ لأصله من كلِّ وجهٍ، وهذا مفقودٌ في هذا القياس، فإنَّ جوهر الذهب والفضَّة غير جوهر النوط، وهذا أمرٌ مشاهَدٌ محسوس، وكونه يقوم مقام الذهب والفضَّة في أثمان البياعات وقِيم المتلفات لا يوجِبُ أن يكون مثله، فإنَّه لو قام العَروض الآخر مقام الذهب والفضَّة لم يثبت لها أحكامها من جهة الربا.

ويوضِّحُ ذلك أنَّها أيضًا لا يُتصوَّر فيها الوزن، والنبي صلى الله عليه وسلَّم جعل الذهب والفضة موزونين، واعتبر تساويَهما في معيارهما الشرعي الذي هو الوزن، فأين القياس المساوي، وأيضًا الذهب والفضة يجري فيهما الربا، سواء كانت نقودًا مضروبة أو حُلِيًّا مصنوعًا أو تبرًا لا مضروبًا ولا مصنوعًا، والأنواطُ معروفٌ أنها لا تقوم مقام الذهب والفضة إلاَّ إذا كانت على وجهٍ واحد بأن تكون مضروبةً فقط، مع أنَّه لولا كفالات الدول القويَّة والشركات المثرية والضمانات المتعددة للنوط ما قام مقام الذهب والفضة من كُلِّ وجهٍ، ولهذا إذا اختلَّت دولته أو فلَّست الشركات الضامنة له بقي النوط لا قيمة له أصلًا لا قليلًا ولا كثيرًا.

دَ - ومنها أيضًا شِدَّة الحاجة بل الضرورة في هذه الأوقات [للمعاملة] في الأنواط، وهي مدار المعاملات كلُّها، فلوحُكِم لها حكم الذهب والفضة من كلِّ وجهٍ لتعطَّلت [المصالح] وانتفت التجارات وما اضطر العباد إليه ودعت إليه حاجتهم فإنَّ الشارع لا يمنعهم منه، [إذ به] تقوم أحوالهم وتصلح أمورهم فهي إذًا بالعروض أشبه منها بالنقود.

ـ ولهذا من يلتزم القول بأن حكمها حكم الذهب والفضة فهو بين أمرين: إمَّا أن يمتنع من الكثير من المعاملات التي هي من ضرورته وحاجته، وإمَّا أن يتجرأ عملًا على الحرام، والله تعالى قد كفى المؤمنين بحلاله عن حرامه، ووسَّع لهم طرق المعاملة فإذا نظرنا إلى الأصل الذي هو حِلُّ المعاملات كلِّها إلاَّ ما فيه محذور، وإلى قوَّة الضرورة إليها، وإلى عدم دخول الأنواط في جواهر الذهب والفضة، وإلى ضعف قياس من قاسها على الذهب والفضة عرفنا أنَّ هذا القول هو الصواب الصحيح، والله أعلم.

ولوْ أنِّي وجدتُ الرسالة التي أشرتُ أنِّي كتبتُها في هذه المسألة، وذكرتُ فيها مآخذ الأقوال كلِّها، لأرسلتها إليك، وإن وجدتُها بعد هذا أرسلتها لا بُدَّ.

النسخ الثلاث من كتابنا (الرياض الناضرة) وصلتكم، فإن عبدالعزيز التميمي ذكر لي أنَّه أرسلها إليكم منذ عشرة أيام فأكثر، إذا كان تريدون نسخة من الإرشاد السؤال والجواب من المطبوع فعندنا نسخة من المطبوع مصحَّحة نرسلها إليكم فاذكر لنا ذلك بكتاب أو برقية.

هذا ما يلزم وإذا يبدي لازم شرفني فيه، ومني السلام على العائلة وجميع المحبين، كما منَّا الولد والشيخ عبدالله بن عقيل وجميع الإخوان، والله يحفظكم ويتولاَّكم برعايته آمين

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت