وفي البخاري (6128) عنه قال:"أن أعرابيًا بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء أو سجلًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
وفي سنن أبي داود (380) عن أبي هريرة:"أن أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فصلى قال ابن عبدة ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لقد تحجرت واسعًا"، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلًا من ماء - أو قال - ذنوبًا من ماء".
وفي جامع الترمذي (147) عن أبي هريرة قال:"دخل أعرابي المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس فصلى فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"لقد تحجرت واسعًا". فلم يلبث أن بال في المسجد فأسرع إليه الناس فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أهريقوا عليه سجلًا من ماء أو دلوًا من ماء ثم قال إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"."
هذه بعض الطرق ولو تتبعنا الطرق الأخرى لوجدناها بنحو هذه الصورة.
ففي هذا الحديث"نجد أن الرواة نقلوا ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى ولم ينقلوا ألفاظه كما نطق بها، فهذه الروايات تذكر أنه قال:"دعوه لا تزرموه، أو: اتركوه أو: لا تزرموه، فقط، أو: دعوه، فقط، أو: لا تزرموه دعوه، فقط، ومعلوم أن الرسول لم ينطق بجميع هذه الكلمات التي وردت في الروايات في ذات اللحظة لكنه نطق بأحدها، ونقلها الرواة بالمعنى لا بلفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما نطق به". [1] !!"
وهكذا نعلم أن الرواية في عهد الصحابة ومن بعدهم كانت في الأغلب الأعم بالمعنى، وهذا القول لا ينفي أن تشمل الروايات المتعددة على كثير من الألفاظ المتفق عليها فإن وجود الألفاظ المتفق عليها أمر طبيعي، بل كان من الصحابة من يتشدد في الرواية باللفظ حتى أنه كان لا يقبل الرواية بالمعنى فقد جاء عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين". فقال ابن عمر:"ويلكم لا تكذبوا على رسول الله إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين
(1) مقاييس نقد متون السنة ص21.