بحكم وفاته. قال ابن إياس بعد إيراد ما تقدم: ولكنه كان محبًا لجمع الأموال ناظرًا لما في أيدي الناس، ولولا ذلك لكان يعد من خيار ملوك الشراكسة على الإطلاق، ولكنه كان معذورًا في ذلك، تحرك عليه في أيام سلطنته شاه سوار وحسن الطويل وابن عثمان وغيرهم من ملوك الشرق وجرد عليهم تجاريد وهو ثابت على سرير ملكه
ولم يتزحزح، حتى قيل ضبط ما صرفه على نفقات التجاريد التي جردها في أيام سلطنته إلى أن مات فكانت نحوًا من سبعة آلاف ألف دينار وخمسة وستين ألف دينار خارجًا عما كان ينفقه عند عودهم من التجاريد. وهذا من العجائب التي لم يسمع بمثلها. وكان قايتباي أعظم ملك في المماليك البرجية وكان في الخارج أعظم ملك في الإسلام، قال فيه سوبرنهايم في معلمة الإسلام بأنه كان محتاجًا لعمارته وحملاته إلى مواد كثيرة وتحلل في المالية لم يستطع جباية الخراج إلا بالقوة، وقد انتقده المؤرخون انتقادًا شديدًا ونرى أن ما عمله من الواجب عليه وأنه أمر مفهوم بذاته في مملكته ليهيئ الأسباب اللازمة للدفاع عنها، وقد أدى قلة النظام في الجباية إلى خراب مملكة المماليك من أجل هذا كان السلطان مضطرًا إلى استعمال الشدة في جباية الأموال.
وكان مغرمًا بشراء المماليك حتى قيل لولا الطواعين التي وقعت في أيامه لكان تكامل عنده ثمانية آلاف مملوك. وكان مولعًا بالبنيان الفاخر خلف آثارًا كثيرة في أرجاء مملكته، وصادر اليهود والنصارى مرتين في أيامه، وخلفه ابنه ناصر الدين محمد، وبدأت أمارات الضعف في أعصاب المملكة لصغر سنه وكان أبوه لا يريد سلطنته بعده، ولكن عاجله النزع فعمل الأمراء من عند أنفسهم، وكان الفساد مستشريًا في مصر منذ تولي، وكثيرًا ما كان السلطان يتخوف على نفسه من الأمراء فيحضر لهم المصحف العثماني ويحلفهم وقد حلفهم أربع مرات وكانت أيمانهم كاذبة فاجرة.
وكان هذا الضعف ينال الشام منه قسط عظيم حتى خرب ولا سيما شماله لكثرة غارة الأعداء. قال ابن طولون في حوادث سنة 906 وقفت حال الناس وقطعت الطرق من كثرة العرب المفارجة وبني رام خارج دمشق وأطرافها وكثر الظلم والاختلاف والناس مرتقبون الفتن. وفي هذه السنة وقع قتال بين الأمير علي
الشهابي في جماعة من وادي التيم ورجال الشوف وبين الأمير بكر