علمتهم أن وراء حياتهم المادية حياة معنوية، لا تبقى لهم مادياتهم بدون الأخذ بحظ وافر منها، علمتهم بسائط من التاريخ وحال الأمم وسياسات السياسيين وقوانين المشرعين واستعمار المستعمرين وتدليس المدلسين، وأن أمتهم كانت شيئًا مذكورًا فيما مضى، ولا حياة للأحفاد بدون الأخذ من سيرة الأجداد، والاقتباس من المدنية الحديثة كل ما لا ينزع منهم مشخصاتهم ومقدساتهم، وأصبح بعض العامة ممن أدمنوا تلاوة الصحف وتفهمها، أرقى عقلًا من كثير ممن كانوا يسمونهم بالخاصة
منذ مائة أو مائتين من السنين. علمتهم أن لا قيام لأمرهم إلا بالقومية العربية، وأن نغمة الدين وحدها لا تنجيهم مما هم فيه لأن التساهل بأمور الدنيا يذهب بالدين والدنيا معًا. علمتهم أن الغرب لا يريد خيرًا للشرق، والشرق شرق والغرب غرب، وأن الأقليات التي كانت تصرفها أوربا بحسب أميالها السياسية لا تعيش إلا بالاندماج في الأكثريات، وتوحيد المقاصد الوطنية، وكل أمة تُحكم برأي السواد الأعظم من أبنائها.
علم معظم الناس، إلا أُناسًا مأخوذين بتعصبات مذهبية ونعرات طائفية، أن الغرب لتحقيق أغراضه يفادي بكل من يمتون إليه بصلة من صلات القربى المذهبية، وأن الاعتبار عنده للمصلحة كيفما كانت وكان السبيل إلى الحصول عليها، وقاعدتهم كلهم الغاية تبرر الواسطة. ولقد عرفت الحكومات التي استولت على هذه الديار منذ نشأة الصحافة الشامية كيف تستفيد من هذه القوة، فكانت تحتال في أول دور أن تشرّف صاحب الجريدة برتبة لها ووسام، ومن خالف الصدع لأمرها تكسر قلمه وتشرده وتسجنه وتُنزل عليه غضبها، وقد تجلى ذلك في الثلث الأخير من الدور الحميدي، فلما أعلن القانون الأساسي أخذ الأتراك الذين قبضوا بعده على زمام المملكة يتوسعون في هذا المبدأ مبدأ السير بقوة الصحافة إلى الغرض الذي يرمون إليه، فصانعوا بعض أربابها وضحكوا من بعضهم بإكرامهم وإعطائهم مالًا. ولما جاءت الحكومات المنتدبة وهي من أعرف الأمم بتأثير الصحافة في الأفكار لم تقصر في اتخاذ هذه النظرية على طريقة جمعت أيضًا بين الرغبة والرهبة والعطاء والمنع. ولم تخل الشام في كل دور من أُناس باعوا في خدمة صاحب القوة ضمائرهم، شأن كل أمة جديدة في الحياة السياسية، ولكن ظهر ذلك جليًا في صحافتنا لأن الدعاة للقوة ضعاف،