الوثوق من أننا سنفهم دائما مدى الدقة التي تزيل بها القضية المضادة القضية التي تقابلها، لما كانت تنشأ مشكلة حقيقية. ولكنا نعجز أحيانا عن إدراك مغزى القضية المضادة أى إدراك أنها مضادة للقضية الأصلية. وفى بعض الحالات فإن ما يبدو قضية مضادة لا يدل فعلا على حكم مضاد. ولذلك فإنه رغم أن ما يقابل القضية «الموت شر» هو القضية «الحياة خير» إلا أنهما ليستا قضيتين متضادتين. وذلك أنهما قضيتان صادقتان. والقضايا المتضادة شأنها أن تصدق إحداها وتكذب الأخرى [27] .
ويتأمل ابن رشد في هذه المشكلة بذاتها إلا أنه يضع المشكلة في إطار المناقشة السابقة. وبدلا من طرحها على أنها سؤال آخر ينشأ عن الفحص عن اللغة يذكر القارئ بما قد ذكره في الفصول السابقة ويعرض المشكلة بصورة نعتقد نحن أنها أشد تضادا. فهو يذكر القارئ بالمناقشة التي مرت للمقابلات ويبقى على التمييز الذي سبق أن وضعه بين القضايا المتعلقة بمعان جزئية أو شخصية وتلك المتعلقة بمعان كلية، وذلك أن المشكلة الحالية نحص فقط أصناف المقابلات الأخيرة. وفى هذا الموضع يؤكد ابن رشد على المعتقدات التي نحتفظ بها عن القضايا المتضادة ويخلق بذلك انطباعا مؤداه أنه هو أيضا يرى أن المشكلة تنشأ أساسا بسبب أنا قد نصل إلى أحكام خاطئة عنها. إلا أنه يبدو كما لو كان غير مقتنع بذكر المشكلة بهذه الحدود فقط. فيعود إلى مراجعة بيان أرسطو على أساس احتمال أن لا تتفق أحكامنا العقلية مع معنى الأحكام التي ننطقها في الكلام.
وبذلك يجعل ابن رشد نقطة الخلاف تتحول إلى البحث عن أى صنف من القضايا هو أحرى أن يقع لنا التصديق به. وهو يأخذ كمقدمة منطقية القول
(27) انظر كتاب العبارة لأرسطو 2328237.