وعلى كل حال فقد ذكر ابن رشد أن هدفه إنما هو بيان مذهب أرسطو وهو لا يدعى في أى مكان أنه يقصد إلى تنقيح ذلك المذهب. وبالإضافة إلى ذلك
فإن تلخيصه شاهد صادق على الجمع بين العمق والبساطة الذي تعودنا أن نجده في كتب القدماء. ويثير الكتاب من المسائل أكثر مما يحل، وذلك لأنه يجعلنا نفكر جنبا إلى جنب مع المؤلف. وبذلك يزودنا كل من ابن رشد وأرسطو بعناصر الإجابة على السؤال حول العلاقة بين الطبيعة واللغة والوضع دون أن يزودنا في الواقع بإجابة ما. ويبين لنا كلاهما كيف تنشأ اللغة بالوضع ويؤديان بنا إلى التفكير في المدى الذي تعكس فيه اللغة النظام الطبيعى. ولكن لا يصرح أى منهما كيف تدل اللغة على هذا الأمر، لأن مثل هذا السرد يعتمد على بحث آخر في الطبيعة وفى النفس البشرية. ومع ذلك الإغفال منهما فإن كلاهما يؤكد على أن مثل هذا البحث سوف يكشف عن العلاقة بينهما لأن كلاهما مقتنع بأن النفس البشرية يمكنها إدراك النظام الطبيعى. وهذا يعنى أن كلاهما يرى أنه يمكن للإنسان أن يفهم العالم الذي يعيش فيه، ليس فقط لأن الإنسان له قوة عقلية على أن يفعل ذلك بل أيضا لأن من شأن العالم أنه معلوم ومدرك. إلا أن مؤلفينا يقتصران هنا على بحث الآلات التي نستطيع بها متابعة المهمة وهى الأقاويل، والأسماء والكلمات التي تؤلفها، ومتلازماتها أو متقابلاتها.
أعتمد هذا التحقيق الخاص بتلخيص كتاب العبارة مثله في ذلك مثل تحقيقنا للكتاب السابق وهو تلخيص كتاب المقولات على ست مخطوطات، وبالرغم من معرفتنا بوجود تسع مخطوطات أخرى لم نتمكن حتى الآن من الحصول على مصورات لها. إلا أن هذه المخطوطات التسعة تنتمى إلى أسرة من المخطوطات اعتمدنا أربعا منها في تحقيقنا هذا. وهذه المخطوطات في رأينا لا تؤثر كثيرا على تحقيقنا الحالى، فهى من خلال الأوصاف المقدمة عنها في الفهارس تنتمى إلى أسرة متأخرة، بالإضافة إلى حداثة تاريخ نسخها ومشابهتها لما اعتمدنا عليه من نسخ تلك الأسرة من ناحية الأخطاء ونقص بعض الفقرات.
والأهم من ذلك أنها مثل المخطوطات الأربعة التي اعتمدنا عليها لا تحوى إلا تلخيصا لأربعة من الكتب الأولى فقط وهى المقولات والعبارة والقياس والبرهان، وقد كتبت جميعهما بالمشرق الأسيوى. وعلى ذلك فإن الرغبة العلمية في تقصى كل النسخ هى فقط التي تدعو إلى الأسف لعدم تمكننا من الحصول على مصورات هذه المخطوطات التسعة.
والنص المقدم هنا مبنى أساسا على استخدامنا لمخطوطتين قديمتين هما أقدم مخطوطات الكتاب فيما نعلم، ونعنى بهما مخطوطة مكتبة لورنزيانا رقم 54، بمدينة فلورنزا، ومخطوطة مكتبة جامعة ليدن رقم 2073بهولندا. وقد بلغت عدد حالات القراءة التي اختلفت فيها روايات المخطوطتين 295حالة، فضلنا
قراءة مخطوطة فلورنزا في 219حالة منها. والدافع إلى ذلك هو الاقتناع بأن مخطوطة فلورنزا قد قدمت في هذه الحالات رواية أفضل وضرورية لأن يستقيم النص. وهناك أسباب أخرى سبق بيانها في مقدمة كتاب المقولات دفعت إلى اعتبار مخطوطة فلورنزا أصلا أول في التحقيق وهى قدم مخطوطة فلورنزا الزمنى عن قرينتها مخطوطة ليدن، وأيضا ما ثبت من الفحص الداخلى للنص حيث استبان لنا أن الأصل الذي نقلت عنه نسخة فلورنزا يمثل فترة زمنية لفكر ابن رشد أحدث مما يمثله نص مخطوطة ليدن، يدعم ذلك أيضا دقة العبارة اللغوية المستخدمة في نسخة فلورنزا عند ما يكون هناك اختلاف بين رواياتيهما.