الغليظة، فصفّها على وجه الماء بقدر الحصن البرى، وخيّط بعضها ببعض، وجعل لها بابا من الغرب عظيما، ثم بنى عليها بالحجارة والشيد، وخعل كلما بنى خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاط ليشتد البناء، وجعلت الفلق كلما ثقلت نزلت، حتى إذا علم أنها قد جاست على الرمل، تركها حولا كاملا حتى أخذت قرارها ثم عاد فبنى من حيث ترك، كلما بلغ البناء إلى الحائط القديم داخله فيه وخيطه به ثم جعل على الباب قنطرة، فالمراكب في كل ليلة تدخل الميناء وتجر السلسلة مثل سور. قال: فدفع إليه ألف دينار سوى الخلع وغيرها من المركوب، واسمه عليه مكتوب» انتهى.
ويرى القارئ ألفاظا ومصطلحات للفن كانت مستعملة في ذلك العهد؛ مثل استعماله الدرامس للمداميك التى تبنى في الماء لأنها لا تكون ظاهرة، ومادة «دمس» في اللغة تفيد هذا المعنى؛ واستعماله التحنيط لربط فلق الخشب بعضها ببعض 1، وقوله: جلست على الرمل، أى استقرت. ويظهر أنه يريد بفلق الجميز الغليظة، ما نسميه اليوم بالكتل جمع كتلة.
1)كثيرا ما يستعلمون التخبيط لشد خشب السفن التى تربط أجزاؤها بلا مسامير، ومنه قول المقريزى في خططه (ج 1 س 203 من طبعة بولاق) إن الجلاب التى بعيذاب لركوب الحجاج إلى جدة لا يستعملون فيها المسامير، بل يخيط خشبها بالقنبار وهو متخذ من شجر البارجيل. وقال سبط ابن الجوزى في الجزء الأول من مرآة الزمان إن سفن البحر الرومى مستمر وسفن البحر الشرقى تشد بليف النارجيل فعبر بالشد ولكن أكثر سياج العرب عبروا في رحلاتهم بالتخبيط، وعلل المسعودى هذا العمل في «مروج الذهب» بأن ماء هذا البحر يذيب الحديد.