فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 99

الأبحاث طبقات لمهندسينا تقوم مقام المفقود من طبقاتهم وهو في نظرى أقل ما نكافئ به فئة رفعت رؤوسنا بما رفعته من قواعد العمران.

ولا بد لنا قبل الشروع فيما قصدناه من الإشارة إلى ما يزعمه بعض قاصرى الاطلاع أو من أعمت الشعوبية بصائرهم من قصور العرب في غير الشرعيات واللسانيات من العلوم، واستدلالهم على قصورهم في الهندسة باستعانة الوليد بن عبد الملك في أبنيته بصناع من الروم وذلك لبيان أنه زعم لا نصيب له من الصحة واستدلال مبنى على استقراء ناقص، لأن العرب في صدر دولتهم كانوا قوما متبدّين، شغلهم الفتح عن الالتفات إلى وسائل التحضر، وصرفهم جملة إلى الضرب في البلاد، ثمّ إلى النظر في تمكين ملكهم الجديد وتوطيده. فما يروى من استعانتهم حينئذ بمعاصرتهم في بعض الفنيات لم يكن إلا عن تلك الحالة الملازمة بالضرورة لكل قوم حديثى الانتقال من البداوة، لم ينفضوا أيديهم بعد من الفتوح. ولكنهم لما ألقوا عصا التسيار، واطمأنت بهم الدار، لم يلبثوا أن نشطوا للفتح الثانى وهو الفتح العلمى، فأتوا في الفتحين على قصر بما لم يسبق له مثيل في الأمم السالفة. وكان من ذلك أنهم ملكوا ناصية العلم كما ملكوا ناصية العالم 1 وأحدثوا له مدنية خاصة صبغوها بصبغتهم ووسموها بميسهم في كل مظهر من مظاهرها. وأبقوا لهم الأثر البين فيما نقلوه من علوم الأوائل إما بالتنقيح والتهذيب أو الزيادة والاختراع.

فكان للهندسة من هذا الأثر تجليها في فرع البناء بذلك الطراز العربى البديع الآخذ بالأنظار المشاهد فيما خلّفوه من الآثار. وحدث في هذا الفرع من التفنن ما لم يكن معروفا، كالبناء الحيرى الذى أحدثه المتوكل العباسى في قصوره، فجعل تخطيطها على مثال تعبئة الجيوش، تشتمل على رواق فيه الصدر وهو مجلس

1)رأى الرشيد سحابة كان الناس يرجون أمطارها فلم تمطر فنظر إليها وقال: «أمطرى حيث شئت والخراج لى» وهو عين ما نعبر عنه اليوم بقولنا: الشمس لا تغيب عن أملاك بعض الدول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت