فهرس الكتاب
وقد شغل هذا المبحث عند القرطبي ثمان صفحات من مقدمته، ذكر فيها الخلاف حول معنى الأحرف السبعة، مقتصرا على إيراد خمسة من تلك الأقوال التي ذكرها البستي، موردا دليل كل قول، ذاكرا من قال به من العلماء، ومن تبناه، ثم الرد عليهم.
ولأن كثيرا من العامة، بل حتى بعض طلبة العلم يستشكل عندهم الأمر عند ذكر المسألة، فينصرف ذهنهم إلى القراءات السبع، ولا يفرقون بينها وبين تلك القراءات المنسوبة لأئمة القراءات، لذلك أفرد المصنف فصلا خاصا مستقلا لدفع هذا الإشكال، وبيان أن القراءات السبع راجع إلى حرف واحد من الأحرف السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان رضي الله عنه المصحف.
كما أكد في ثنايا حديثه عدم قرآنية القراءات الشاذة، وأنها في أحسن محاملها تأويل لمن ينسب إليه القراءة.
وأفرد المصنف فصلا مستقلا للحديث عن الاختلاف في قراءة بعض الصحابة، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لكل واحد بأنها نزلت وفق قراءته، كالمشهور المروي عن عمر وهشام رضي الله عنهما أراد بذلك التأكيد على معنى هام هو ما أشار إليه ابن عطية رحمه الله حيث نبه إلى أن الله سبحانه أباح لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل عليه السلام على الوجه الذي فيه الإعجاز، ولم تقع الإباحة في قوله: «فاقرءوا ما تيسر منه» . بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه
اللغات جعلها من تلقاء نفسه، إذ لو كان هذا لذهب إعجاز القرآن، ولكان فيه ما نزل من عند غير الله، وإنما الإباحة وقعت في الحروف السبعة ليوسع بها على أمته، فأقرأ مرة لأبيّ بما عارضه جبريل، ومرة لابن مسعود بما عارضه جبريل أيضا، وهكذا، ولو كان التبديل لكل أحد لبطل معنى قوله تعالى {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} [الحجر: 9] .