فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 616

لما كان هذا النظر مما يلزم الملوك تعلمه، ويليق بهم تقبله، فقد يحق على افاضلهم دراسته، ويجمل بهم وعيه وتحفظه، لانهم اذا فعلوا ذلك حتى يحكموا أسبابه وعلله استقامت آراؤهم، واذا استقامت آراؤهم صلحت أفعالهم، واذا صلحت أفعالهم عمّ نفع ذلك رعاياهم وجميع من يكون أمورهم. وان الصلاح والفساد اللذين يكونان في الازمنة والاوقات، انماهما باستقامة أفعال الملوك وأعوجاجهم فاذا صلحت تدبيراتهم بصواب الرأي وسداد الفعل في وقت، نسب ذلك الوقت الى أنه وقت حميد وزمان شديد واذا فسدت أحوالهم واضطربت مجاري أمورهم في آخر نسب الوقت الذي يقع فيه هذا الى انه وقت شديد، بما يعرض لاهله من الفساد وسوء التدبير، وأكثر الناس يظنون ان الملك يجري مجرى سائر الرياسات التي تستقيم لاكثر من منصب فيها، لما شاهدوه وجرى في عاداتهم من ان كل من يوضع في رئاسة ما يقوم بها وترجوا أفعاله فيها، وان كان غير مستحق لها ولا مضطلع بشأنها، لان خلله أما أن يكون مضرا يشعر به، أو يكون مما لا يتلافاه أعوانه وكفاته، أو يكون آخر أمره معروفا، فيهون صرفه والاستبدال به غيره، والملك فلا يحتمل خلة من الخلال التي ذكرناها، لانه أشرف منازل البشر قدرا وأعظم الامور خطرا، فأن الملك المقيم لنظام الملك بالتحقيق لا بالذي

يأخذه بالهوينا، وعلى جهة التشفيق يحتاج الى أن يكون من المخاطرة بمهجته وتجشم الامور التي يقيم بها أود مملكته ويصلح معها شأن من يتولى سياسته بمنزلة الحال، في قلة مهواتها هلكة فأن لم يكن معه من شدة النفس وقوة الشكيمة ما يمضي به الامور العظام التي يحتاج في الملك الى امضائها، اضطربت الاحوال التي هو مضطر الى تقويمها، والتاثت الاسباب التي يقصد لنظمها وتعديلها، فان أيسر مخاوف الملوك انهم يحتاجون الى أن تتمكن رهبتهم في نفوس الرعية، ومن ينأ عنهم من الاعداء في المحال النائية، ومع اشتداد الهيبة من الناس اللشيء يقع لهم اضطرار بغضه، ويتمكن في نفوسهم بغضه ومقته والشنأن له والابتهاج بمأساة وخالف محبته على ان هذا المقت للملوك لا يخلو من ان يخالطه الاستكانة، ويشوبه الخضوع والمهانة، ولا تكون المحبة للملك من رعيته نافعة، الا أن يكون معها هيبة، فأن مما هو معلوم من الحكم القديمة «انه الا ينفع الانسان محبته من فوقه [1] ، الا ان يكون معها رحمة، ولا محبة النظير له الا أن يكون معها شفقة، ولا محبة من دونه الا أن يكون معها هيبة» .

ولما قدمناه من بغض العامة للملوك ما قال اردشير بن بابك: في عهده (ان من صيغ العامة بغض الملوك) وفي هذا القول، اذا أتى مطلقا ما يعجب منه لان من يسمعه ولا يعرف سببه ينكره، ويتعجب من كونه، والسبب فيه ان في صيغ الناس محبة، الفراغ والكراهة لمن يأخذ على أيديهم ينحوا بهم نحو الاستقامة ويمنعهم من الجري على ما تقوده اليه نفوسهم من اتباع الهوى والارادة. ومن هذا بغض الصبيان للمؤدبين وكراهة الاحداث للمشايخ.

(1) في س، ت: مؤه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت