فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 616

ثم لنرجع الى حديثه الاول الذي كنا بدأنا به، فلما رجع الاسكندر بعد موت أبيه ورجوع الملك اليه الى دار مملكتهم وكانت في ذلك الوقت بمقدونية وهي بالقرب من المغرب، ولم يكن بالقسطنطينية التي هي في هذا الوقت دار ملكهم. وبدأ في أول أمره باصلاح مملكته حتى أقامها على ما وجب اقامتها عليه من السنن العادلة والسير الفاضلة، ثم عزم بعد ذلك على تدويخ الارض ومجاهدة الملوك الضالين، وكانت للفرس على اليونانيين الى ذلك الوقت أتاوة ولم تزل يحملها ملوكهم في كل سنة، فأخذ في منع دارا بن دارا ملك فارس كان على عهده منها وأقبل دارا يكاتبه بالوعيد الشديد ويتهدد معلمه التهدد الغليظ، وينسب المشورة عليه بترك حمل الاتاوة اليه، والاسكندر يجيبه عن كتبه بأنه لو علم حقا يوجب حمل الاتاوة لحملها ولم يمتنع منها، ويدعوه الى التوحيد وترك الكفر، ويحضه على اتباع أمر الله والتسليم له واعتماد طاعته والتناهي عن مخالفته، ويحذره عقوبته وسخطه، الى ان أحس دارا ذلك فدلف اليه وقصد حربه ومناجزته وصار الى ديار ربيعة، ما بين المدينة المسماة باسمه وأقبل الاسكندر نحوه مظهرا مجاهدته مخاطبا له بأنه، ما يريد ماله ولا شيئا مما يملكه، وانه انما يريد منه أن يقر بالتوحيد، ويؤمن به ويدع الكفر وينزع عنه لينصرف عن حربه، ويخلى بينه وبين مملكته. وأقبل دارا في جواب هذه المكاتبات يتعالى تعالي الجبارين ويتسطى تسطي الملوك المتعظمين، الى ان كان الظفر للاسكندر به، فاستباح عسكره، وتزوج روشك ابنته، وأقبل الى بلد بابل حتى دخله ووطئه، واجتمعت ملوك الفرس من الافاق اليه فأحسن عشرتهم، واستعمل العدل في أمورهم ولم يهجم بسوء في شيء

من أحوالهم. وكان عند انجذابه لملاقاة دارا قد استخلف معلمه أرسطاطاليس على ما خلفه، وكان يطالعه بأحواله ويستمد الرأي من جهته، فكتب اليه عند حلوله بأرض فارس، واجتماع من اجتمع من ملوكهم قبله كتابا يقول [فيه] [30] :

أما بعد فان الاقدار وسابق الاتفاقات، وأن كانت أصارت بنا الى ما نحن عليه، من علو الشأن فليس ذلك بمانع لنا من الرجوع الى رأيك والاستضاءة بنور حكمتك، وأني لما حللت ببلاد فارس، اجتمع الي ملوكهم من الاقطار فرأيت أجساما عظيمة ونفوسا عالية، وهمما [31]

سامية، وشجاعة كاملة، وأحوالا ضخمة واسعة، ووجدت مقامي وسط بلادهم وقد استوليت على مملكتهم، وظفرت بملكهم غرارا اذا كنت لا أمن أقدامهم، وفكرت في قتلهم فاحجمت عنه لاني لم أعرف وجهه، وقد صرت في أمورهم على حال محيرة، فأشر بما تراه صوابا في تدبيرهم.

فأجابه أرساطاليس: وهو معلمه الذي أنشأه، وبصره جوابا ينبغي أن يمتثل في جوابات الملوك، ويتقبل في مخاطباتهم. فأن الملك لو جاز أن يتعالى عليه أحد، لوجب لذلك الحكيم الذي كان سبب تثقيفه، ولكن من شأن الملك أن يتواضع له كل ذي عمل ويتطأطأ دونه كل ذي فضل، فان في جواب هذا الحكيم لهذا الملك العظيم تبصرا في مخاطبة الملوك، واحدة: مع ما فيه من الارشاد الى تعلم صواب الرأي، ثانية، وهو هذا:

وصل اليّ كتاب الملك وفهمته، فأما قوله، أن الاقدار والاتفاقات ساقت اليه الاحوال التي هو بها فليت الاقدار اذا ساقت الى أحد حالا عظيما كان مستحقا لها كأستحقاق الملك المنزلة التي وصل اليها، فأن، الفراسة فيه قد كانت توجيها، وأقوال الكهنة تؤذن بها وتدل عليها.

(30) ليست في س. وجاءت في الاصل: هما.

(31) في س: وهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت