الصفحة 2243 من 2586

ولا بد من الإشارة إلى أنَّ عصور التدوين الأُول كان رسم الحروف فيها متشابهًا، وكانت غالب الحروف بلا نقط، فضلًا عن أمور أخرى تعتري الراوي من السرعة في القراءة، وعدم المبالاة وقلة التركيز، وغيرها كثير تهجم على قلب الراوي، فينشأ من ذلك الوهم، ويقع الراوي في شَرَك التصحيف أو التحريف، أقول هذا الكلام وكُتُبُنا اليوم تحفل بالعناية من جلد الكتاب الذي يحمل أنواعًا من الزخارف والرتوش التي تبهر العيون إلى طيات الكتاب فترى النص مُشْكَلًا واضحًا، مُفرَّقة أسطره، مبيضة أوراقه، خدمة للباحثين، وحرصًا على توضيح ما يستلزم التوضيح، كل ذلك ونرى طلبة العلم قد جعلوا كتبهم طريحة المناضد، دفينة التراب، ومنعوا منها صدورهم، ولم تملّ منها عيونهم، وإنما الفخر باقتناء هذا الكتاب أو ذاك.

والسبب في وقوع التصحيف إنَّما يحصل غالبًا للآخذ من الصحف وبطون الكتب، دون تلق للحديث عن أستاذ [1] من ذوي الاختصاص؛ لِذَلِكَ حذر أئمة الْحَدِيْث من عمل هَذَا شأنه، قَالَ سعيد بن عَبْد العزيز التنوخي [2] : (( لا تحملوا العلم عن صَحَفي، ولا تأخذوا القرآن من مصحفي ) ) [3] ،

(1) لفظ معرّب، بمعنى المعلم أو الماهر في الصناعة يُعلِّمها غيره."المعجم الوسيط" (الأستاذ) .

(2) هُوَ سعيد بن عَبْد العزيز التنوخي الدمشقي: ثقة إمام، لكنه اختلط في آخر أمره، توفي سنة (167ه‍) ، وَقِيْلَ: (163 ه‍) ، وَقِيْلَ: (164ه‍) .

انظر:"سير أعلام النبلاء"8/ 32، و"الكاشف" (1926) ، و"التقريب" (2358) .

(3) "الجرح والتعديل"1/ 320 (المقدمة) وجاء عنده: (( لا تأخذوا العلم عن صحفي، ولا القرآن من مصحفي ) )وورد هذا القول في"تصحيفات المحدّثين": 4 عن سعيد بن عبد العزيز، يقول: (( كان يقال .. ) )، وعند ابن عبد البر في"التمهيد"1/ 63 عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، به ولفظه: (( لا تأخذوا العلم من صحفي ) )وورد بلفظ آخر عند=

= ... العسكري في"تصحيفات المحدثين": 4 عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن سليمان بن موسى، قال: كان يقال: (( لا تأخذوا القرآن من المصحفيين، ولا العلم من الصحفيين ) ). وعند ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"1/ 319 (المقدمة) عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى أنَّه قال: (( لا تأخذوا الحديث عن الصحفيين ولا تقرأوا القرآن عن

المصحفيين )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت