الصفحة 2375 من 2586

إنَّ تفريق ابن حجر وأهل العلم بعده بين الشاذ والمنكر، وقصر مدلول الشاذ على الشاذ، والمنكر على المنكر، هو الأولى؛ كي لا تتداخل المصطلحات، فابن حجر ومن جاء بعده فرّقوا بين الشاذ والمنكر، وقصروا مدلول كل واحد على معناه، وقيدوا النوعين بقيد المخالفة، فإنْ كانت مخالفة مقبول [1] فهو الشاذ، وإنْ كان ضعيفًا فهو المنكر، قال ابن رجب عن قاعدة الإمام أحمد في المنكر: (( إن ما انفرد به ثقة، فإنه يُتوقف فيه حتى يتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصًا إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والإتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان، وابن معين، وغيرهما ) ) [2] وهذا الصنيع هو الذي يبين للمرء واجب المحدّثين المتأخرين، الذين نجموا بعد القرن الثالث الهجري، والذين كان لهم أثر في خدمة العلم وبيان المصطلحات، حتى لا يقع اللبس على الحديثيّ المبتدئ [3] .

دنو رتبة الشاذ:

إنَّ الثقة إذا خالف من هو أوثق منه عددًا أو حفظًا، وكان الجمع غير ممكن، ثم ترجحت رواية الأحفظ أو رواية الجمع الذين هم أولى بالحفظ، فإنَّ رواية الثقة تلك تكون شاذة ساقطة، وتكون رتبتها أدنى من رواية الراوي الضعيف؛ لأنَّها خطأ، قال أبو داود: (( فإنَّه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم ) ) [4] .

ومع حكمنا بشذوذ رواية الثقة وخطئها، فإنا لا نحكم عليها بالوضع والكذب، بل نطلق عليها مصطلح باطل، والشيخ عبد الله السعد لهجٌ في دروسه بإطلاق (باطل) على الروايات الشاذة، وهذا هو الصواب.

صعوبة إدراك الشاذ:

(1) أعني بمصطلح مقبول: الثقة والصدوق.

(2) "فتح الباري"4/ 174.

(3) انظر:"نزهة النظر": 53، و"النكت"2/ 652 - 653 و: 431 - 432 بتحقيقي، وقال المناوي في"اليواقيت والدرر"1/ 424: (( وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح ) ).

(4) "رسالة أبي داود إلى أهل مكة": 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت