الصفحة 2376 من 2586

إنَّ جهابذة النقاد من المحدّثين لا تفوتهم معرفة الشاذ؛ لجودة قريحتهم، وسعة حفظهم، ولما لديهم من معطيات مكنتهم من هذا الفن، قال البيهقي: (( وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه، لا يعرف بعدالة الرواة وجرحهم، وإنَّما يعرف بكثرة السماع، ومجالسة أهل العلم بالحديث، ومذاكرتهم، والنظر في كتبهم، والوقوف على روايتهم، حتى إذا شذ منها حديث عرفه ) ) [1] .

هذا نظر ثاقب من الحافظ البيهقي - وهو الخبير الناقد - إذ إنَّ معرفة العلل عمومًا، ومعرفة الشاذ خصوصًا، والحكم على الأحاديث، ليست قضية حسابية نظرية تبنى على قواعد ظاهرة فقط، بل إنَّ التصحيح والتضعيف، ومعرفة العلل والشذوذ، يناله النقاد من أهل الحديث، حينما تكون لديهم جملة وافرة من المعطيات، تمكنهم من نقد المرويات والحكم عليها، بحيث يترجح عندهم الحكم الذي يليق بتلك الرواية مع وجود القرائن التي تحفها، فيحكمون على كل رواية بما يليق بها.

ولما مكنَّهم الله من ذلك فإنَّهم كانوا لا يشذ عنهم شيءٌ إلا عرفوه وحكموا فيه بما يستحق، قال أبو داود: (( ولو احتج رجلٌ بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتجُ بالحديث الذي قد احتج به، إذا كان الحديث غريبًا شاذًا. فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح، فليس يقدر أن يرده عليك أحدٌ ) ) [2] .

وقال الحافظ ابن حجر مبينًا صعوبة معرفة هذا النوع: (( وهذا على

(1) "معرفة السنن والآثار"1/ 82 مقدمة ط. العلمية و (170) ط. الوعي.

(2) "رسالة أبي داود إلى أهل مكة": 47، وقد صدّر هذا الكلام بقوله: (( فإنَّه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم ) )ويقصد بالغريب الشاذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت