فهرس الكتاب
إلا أنَّه يجب التنبه على مسألة مهمة وهي: حالة التفرد، وطبقات التفرد، فلا شك أنَّ هناك فرقًا بين التفرد في طبقات الصحابة أو التابعين، وبين تفرد غيرهم من الطبقات المتأخرة، وكذا الحال بالنسبة لتفرد الثقات الأثبات فتفردهم مقبول، أي مع السلامة من العلل الأخرى، والذي دعاني لمثل هذا القول حتى لا يكون هناك تعارض بين الأقوال، فردّ حديث الثقة الفرد مطلقًا مع السلامة من أي علة سواءً كانت في المتن أم في الإسناد منهج لم نعرفه في أقوال المتقدمين ولا في أحكامهم، زد على ذلك أنَّ شروط الحديث الصحيح معروفة ومنثورة في الكتب، فلم نجد أحدًا من الأئمة السابقين أو اللاحقين قد اشترط لصحة الحديث أن ينقل من راويين فأكثر، وإلا سيضطرنا مثل هذا الرأي أن نقول بقول بعض المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، الذين اشترطوا العدد في ثبوت الحديث، وهذا ما لم يقل به أحد من أهل العلم بالحديث، بل قد ردوا عليه وشنعوا الكلام على من قال به. قال الدكتور حمزة المليباري
: (( والحق الذي أميل إليه أنَّ الإمام أحمد ويحيى والبرديجي لا يستنكرون الحديث بمجرد تفرد ثقة من الثقات، وإنَّما يستنكرونه إذا لم يعرف من مصادر أخرى، إما برواية ما يشهد له من معنى الحديث أو بالعمل بمقتضاه ... أما إطلاق المنكر على ما تفرد به ثقة عن ثقة فلا أظن أنَّه قد وقع في كلامهم، إن كان بعض ما نقل عنهم يوهم خلاف ذلك، فإنَّه ينبغي حمله على أنَّ ذلك في حدود
معرفتهم؛ لتفادي التناقض بين التصريح والعمل )) [1] ، والحين الآخر أن تكون الرواية خطأ أو وهمًا، وهذا موجود في كلام الإمام أحمد كما مر.
(1) "الحديث المعلول": 75.