.. يقول فضيلة الدكتور القرضاوى:"وفى رأيى أن جل الأحاديث المتعلقة بـ"الوصفات الطبية"وما في معناها … كوصف الرسول صلى الله عليه وسلم للمصاب بعرق النسا: ألْيَةُ شاة أعرابيةٍ …إلخ ما جاء في الحديث (2) ، فهذا ليس من أمور الدين التى يثاب فاعلها، أو يلام تاركها، بل هو إرشاد لأمر دنيوى نابع من تجربة البيئة العربية …، ولم يبعث عليه الصلاة والسلام ليقوم بطب الأجسام، فذلك له أهله، وإنما بعث بطب القلوب، والعقول، والأنفس، ومهما يكن اعتزازنا بما سماه العلماء"الطب النبوى"فمن المتفق عليه: أن النبى صلى الله عليه وسلم، لم يَدَّع العلم بالطب، ولا بعث لذلك (3) أ. هـ."
... والنتيجة: أن خرج علينا أحد أعداء السنة"نيازى عز الدين"يقول:"الأحاديث التى تحاول أن تنسب للرسول صلى الله عليه وسلم، علومًا مثل الطب، كلها أحاديث موضوعة، غايتها حرف الناس عن الحقائق، والعقلية العلمية التى في آيات القرآن، إلى عقلية تؤمن بالأوهام والخرافات والأباطيل (4) ."
(1) راجع: إن شئت ص 454.
(2) أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الطب، باب دواء عرق النسا 2/ 337، 338 رقم 3463، وقال البوصيرى فى (مصباح الزجاجة) :هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات 3/ 124 رقم 1207.
(3) السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة ص 66، 67 باختصار، وانظر: السنة والتشريع لفضيلة الدكتور عبد المنعم النمر ص 110.
(4) دين السلطان لنيازى عز الدين ص 523.
ثم ضرب أمثلة على تلك الأحاديث الموضوعة تعمد اختيارها من صحيح الإمام البخارى - رحمه الله - وذلك كأحاديث الرقية"اللهم، رب الناس مذهب الباس، اشف أنت الشافى، لا شافى إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا". وحديث"علاج المبطون بالعسل". وحديث"لا عدوى ولا صفر". و"الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام". و"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". و"من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر"وغير ذلك من الأحاديث التى نقلها من صحيح الإمام البخارى في كتاب الطب" (1) ."
وطعن كثير من دعاة الفتنة، وأدعياء العلم في بعض الأحاديث الطبية، واتخذوا من تقسيم بعض علماء المسلمين"السنة تشريع، وغير تشريع"متكأً قويًا وهم يطعنون في حجية السنة المطهرة، ورواتها الثقات الأعلام.
... وإذا كنا قد بينا سابقًا بالبرهان الواضح أن السنة النبوية كلها وحى، وبينا بطلان تقسيم السنة الشريفة إلى سنة تشريعية، وغير تشريعية بما يغنى عن إعادته هنا (2) .
فسوف نكتفى هنا في الدفاع عن أحاديث"الطب النبوى"إجمالًا بالرد على ابن خلدون فيما ذهب إليه.
يقول الدكتور محمد أحمد السنهورى: أما قول ابن خلدون:"والطب المنقول في الشرعيات ليس من الوحى في شئ وأنه صلى الله عليه وسلم، لم يبعث لتعريف الطب".
هذا الكلام يناقض الواقع، والحقيقة؛ لأنه من المعلوم والبديهى أن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان أميًا ولم يدرى ما الكتاب، والإيمان.
ومن أين له أن يعرف طبائع الدواء أو خصائصه سواء كان هذا الدواء نباتًا أو غذاء إلا إذا كان ربه قد أطلعه عليه؟!
(1) انظر: صحيح البخارى"بشرح فتح البارى"كتاب الطب 10/ 141 - 263، وانظر: دين السلطان لنيازى عز الدين ص 523 - 527.
(2) راجع: إن شئت ص 452 - 468.
... والله عز وجل يقول عن العسل: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} (1) ولم يبين في القرآن الأمراض التى يشفيها هذا العسل.
ولكن الرسول عالج به المبطون أو صاحب الإسهال.
فما الذى جعل الرسول صلى الله عليه وسلم، يحدد هذا الدواء بالذات لعلاج هذا المرض؟ وما الذى جعله يصر على أن يتناوله المبطون أكثر من مرة؟ لابد أن يكون هذا عن طريق الوحى.
ثم ما الذى جعل الرسول يفضل في دواء الإمساك"السنا"على"الشُّبْرُمُ"وهما نباتان يستعملان لهذا الغرض (2) . وقد فضَّل الأطباء بعد ذلك ما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم وتركوا"الشُّبْرُمُ"وبينوا ضرره وقالوا أنه غير مأمون.
فهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يملك معملًا للتحليلات؟ كلا إن هذا الأمر لابد أن يكون قد عرف خصائصه من الوحى.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)