الصفحة 105 من 128

ذابلة ليملأ منك حِبالته غير مبالٍ إلا كما تبالي البهيمة ما عسى أن تزهق من أرواح الزهر حين ترَمرَم من نبات الأرض [1] وقد هدم منك يا روضة الورد قصر الشفق الأرضي فلا عجب أن تكون روحه لثقلها وظلمتها كأنها قطعة من روح الليل.

ها أنت اليوم يا زينة الآمال كالباب المهدوم بين الماضي الذي كان قصرًا وبين المستقبل الذي هو من أنقاض هذا القصر، فما يرى الناظر من هذا الباب إلا كيف تنهدم الحياة وكيف يثور غبارها.

بلى قد يكون شقاؤك مثالًا لتبيان حقيقة غامضة يراك الناس في حزنك فيفهمونها، وما أكثر مثلَها من حقائق الحياة التي لا تضرب لها الأمثلة إلا من القلوب والأكباد؛ فأخبري الناس من هؤلاء الحمقى والمجانين أن الذي يطلب سعادة نفسه بالغنى ويريد أن يشتريها من لله بالمال الكثير تحويلًا على البنك ... إنما هو كذلك الأبله المغرور الذي يستقبل شمس الظهيرة وهو يريد أن يطرح ظله أمامه وتأبى الشمس إلا أن تجعله إلى الوراء فلا يكون لهذا المخدوع بنفسه إلا إحدى اثنتين: إما أن يستدبر الشمس ويجري على قواعد النور في الحقيقة لا في الوهم فيرى الشمس نفسها قد ألقت الظل أمامه كما يريد، وإما أن يمضي على ما تخيل فيكون أمام ظله ولأنفه بعد ذلك الرغم الدغم [2] .

(1) ـ أي تأكل وتتناول، وأصلها تترمرم.

(2) ـ يقول العرب في ناشئة الغيظ: رغمًا لأنفه. فإذا استفحل الغيظ أتبعوا الكلمة وقالوا: رغمًا دغمًا فإذا تميزوا من الغيظ قالوا: رغمًا دغمًا شنغمًا فتكون اللعنة باللفظ أشد عليهم من اللعنة بالمعنى ... وهذا ما نفهمه من ورود هذه الكلمات الثلاث في اللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت