ويا لها سخرية فظيعة من القلب الإنساني وما فيه من الفضيلة والحب! ويا له من نِفاق بارد يُراءى به لله خالق القلب، وتقابَل به الملائكة مَوئِل الفضيلة، وتواجه به هذه الحسناء عروس الحب في وقت معًا! وكم من مر رأيت عالمًا يُوثِّق عقدة الزواج بخطبته، وكاهنًا يربط القلبين بكلماته رباطًا مقدسًا، فكنت أهتز من الفرق إلى القدم خشية أن تكون روح المصادفة العمياء في ثياب هذا العالم أو الكاهن، فإن ثلاثة تأتي إلى الإنسان من تلقاء نفسها وهو ينتفي منها جُهده: هذه المصادفة، والعداوة، والنحس؛ وقلما أحس إنسان بإحداها إلا فوجئ بثلاثتها جميعًا، وكذلك أشأم ما يعُدُّ في الشر تعدُّد شؤمِه!
وأنت أيها القمر حدثني بربك: ألست تسخر من هؤلاء الكُتَّاب والأدباء والمصلحين الذين يصفون داء الشرق المريض المحتَضر بمقالات أكثر عددًا من تراب القبر، ثم يريدون ليصفوا دواءه فتراهم من اختلاط آرائهم وتنوعها كأنما يحملون صيدلية بحالها إلى بيت المريض زعمًا أنهم مهما أخطئوا فلن يخطئوا أن يكون في بعض ما تحتويه من السوائل والعقاقير ما فيه شفاء ... ولا يعلمون أن التاريخ الإنساني وإن لم يكن نسائيٍّا غير أن المرأة هي التي تلده وترضعه بأخلاقها حتى يتماسك ويَدْرُج ثم يذهب يافعًا، وأن العظمة التاريخية وإن كانت